الرئيسية أخبار رياضة منوعات ثقافة وفن أقتصاد للإعلان معنا  

 أخر المواضيع :

الروبيان يطلق نار داخل المحيط...سبحان الله (للكاتب: سمارت مان ) (القراء: 13 ) ( أخر رد بواسطة: dimba )
هل العيب في المنتدى أم الإدارة أم الأعضاء ..؟؟ (للكاتب: mezian ) (القراء: 181 ) ( أخر رد بواسطة: mezian )
كم نحن رخووووم!!! صور بعيووون عربيه ( 1 ) (للكاتب: eopmaa ) (القراء: 376 ) ( أخر رد بواسطة: دفتر الاسرار )
العودة   بوابة اليمن - > البوابات العامة > الــبــوابــه الأدبــيـــة > بوابة القصص والروايــات
التسجيل التعليمات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل جميع المنتديات مقروءة


وحدتنا اليمنية هي رمز عزتنا وكرامتنا ..  عدد الضغطات  : 1074

رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 01-21-2010, 11:03 AM   #1
المنتصر
 
الصورة الرمزية المنتصر
 

القلوب القاسية بقلم المنتصر








القلوب القاسية

بقلم : المنتصر






عمان تشرين الأول 2008



تجلس (أم أيوب) على سريرها بجسدها الضعيف وقد حفر الزمن آثاره بقسوة في وجهها وكفيها، تلبس ثوباً أبيض نظيفاً مطرزاً بخيوط حريرية زرقاء، وتضع على رأسها منديلاً أبيضاً مطرزاً من أطرافه بخيوط حريرية من اللون نفسه يخفي تحته شعراً أبيض قد برز جزءاً منه من تحت منديلها، تتلفت حولها في غرفتها التي تُقيم فيها وحيدة منذ مدة طويلة، وهي في هذه الغرفة لا تخرج منها إلا نادراً لتجلس في القاعة المخصصة لتناول الطعام أو مشاهدة التلفاز مع مجموعة من كبار السن أمثالها رجالاً ونساءً، يُقيمون جميعاً في دار رعاية المسنين، بسبب جحود الأبناء أو الأقارب، وها هي الآن بينهم بعدما تراجعت صحتها وأصبحت تحتاج لشخصٍ يعتني بها.
فمنذ خمس سنوات أحضرها ابنها (أيوب) إلى هذا المكان بعد أن كانت تعيش لوحدها في المخيم؛ في بيتها الصغير والمتواضع، فعلى الرغم من تواضعه ومن صعوبة العيش في المخيم،إلا أنها تعتبره جنة مقارنة بهذا المكان الذي تعيش فيه، صحيح أنها لا ينقصها شيء، والجميع يقدم لها الرعاية وعناية خاصة بسب المال الذي يدفعها ابنها لإدارة الدار، ولكنها تفتقد الحياة في المخيم، وتفتقد خصوصاً جيرانها الذين كانوا لها عوناً دائماً طيلة حياتها في المخيم.
تعود لتتذكر اليوم الذي أحضرها ابنها إلى هذا المكان، حيث كانت في بيتها وقد اشتد بها المرض، فاتصل الجيران بابنها الدكتور(أيوب) الذي قام بنقلها إلى إحدى المستشفيات لتلقى العلاج بسبب نوبة السكر التي كانت تعاني منها، إضافة إلى ارتفاع في ضغط الدم وآلام في المفاصل، والتي أكد الأطباء في المستشفى بأنها حالة متقدمة من الروماتيزم.
وبعد تحسن صحتها، نصح الأطباء في المستشفى بضرورة وجود أحد إلى جانبها لرعايتها بشكل دائم، فما كان من ابنها إلا أن أحضرها إلى هذا المكان رغم معارضتها لذلك.

تضغط جرس الاستدعاء فتحضر إحدى العاملات إلى الغرفة وتسأل قائلة:
- خير يا خالتي أم أيوب. قالت :
- خير يا بنتي يا سعاد! ألم يتصل أحد بالدكتور أيوب؟ قالت سعاد:
- لقد اتصلنا به في عيادته وفي بيته إلا أن أحداً لا يجيب على الهاتف. قالت أم أيوب:
- لا يمكن ذلك, لا بد وأن يكون في العيادة أو في البيت أو على الأقل زوجته، لا بد أن تكون في البيت؟ قالت سعاد، وهي تحاول أن تخفي شيئاً بنبرة تأكيد:
- أبداً يا خالتي لا يوجد أحد لا في العيادة ولا في البيت, قالت أم أيوب:
- لا حول ولا قوة إلا بالله, لقد اشتقت إليه يا بنتي يا سعاد, وأخاف أن أموت دون أن أراه. فقالت سعاد وهي تحاول أن تداري انفعالها:
- لا سمح الله يا خالتي إن شاء الله سيأتي لزيارتك، فربما كان مسافراً خارج البلاد مع عائلته ولابد أن يعود لزيارتك, قالت أم أيوب وهي تحاول أن تمنع دموعها:
- الله يجيبه بالسلامة.

سادت لحظة من الصمت، وأخذت سعاد تنظر إلى أم أيوب بإشفاق، وتحدث نفسها كيف أنها تخفي عن أم أيوب حقيقة أن ابنها لا يريد زيارتها، فعلى الرغم من الاتصالات المتكررة به من قبل إدارة الدار ونقل رغبة والدته برؤيته، إلا أنه كان يتذرع في كل مرة بأنه مشغول، أو أن عليه إجراء عملية طارئة لأحد المرضى، ولم يكن ينسى أن يسأل فيما إذا كانوا يحتاجون مالاً إضافيا ًليرسله لهم. قالت سعاد:
- هل أحضر لك شيئاً لتأكلينه، فأنت لم تأكلي عند وجبة الغذاء سوى لقيمات صغيرة، وهذا يضر بصحتك. قالت أم أيوب:
- ما فائدة الصحة الآن؟ صدقيني يا بنتي بأن الحياة أصبح ليس لها طعم، وأتمنى الموت في أي لحظة. قالت سعاد بإشفاق:
- سلامتك يا خالتي. قالت أم أيوب:
- أرجوك يا بنتي قبل ذهابك أن تساعديني على دخول الحمام لأتوضأ لصلاة العشاء.

ساعدتها سعاد على النهوض من السرير، ورافقتها حتى أنهت وضوءها، وفرشت لها سجادة الصلاة التي تصلي عليها جالسة لعدم قدرتها على الوقوف بسبب الروماتيزم في مفاصلها، وأخبرتها بأنها ستعود إليها لتعطيها دواءها بعد انتهائها من الصلاة، وخرجت وأغلقت الباب.

جلست أم أيوب تصلي بخشوع، وعند انتهاء صلاتها أخذت بالدعاء لابنها أيوب أن يحفظه وأن يعيده سالماً، وتتضرع إلى الله أن يأتي لزيارتها لتكتحل عيناها برؤيته قبل أن تموت، فهي تحس بأنها مفارقة لهذه الدنيا قريباً، وكل أمنيتها أن ترى ابنها وتضمه إلى صدرها وتحتضنه وتقبله كما تعودت عندما كان صغيراً.
تقترب سعاد من الحجرة حاملة في يدها صينية بها وجبة العشاء والأدوية وتسمع من خلف الباب صوت أم أيوب وهي تدعو وتضرع إلى الله أن يحفظ ابنها، تساءلت في سرها أي الأبناء أنت يا دكتور أيوب؟ وما الذي يمنعك من زيارة أمك؟ سبحان الله كل هذا الحب والحنان والعطاء من والدتك، تقابله أنت بجحود، وهي التي ليس لها أحد في الدنيا سواك.

تدخل سعاد الغرفة حاملة الصينية في يدها قائلة :
- تقبل الله يا خالتي أم أيوب .قالت:
- منا ومنك يا بنتي، الله يرضى عليكِ. قالت سعاد:
- لقد أحضرت لك طعام العشاء والدواء، فتعالي حتى أطعمك بيدي قبل أن أعطيك الدواء. قالت أم أيوب:
- ليس لي شهية للطعام يا بنتي ويكفي كأس من الماء. قالت سعاد:
- لأجل خاطري يا خالتي اشربي الحساء فهو ساخن وكلي قبل تناول الدواء، سوف أطعمك بيدي.
وساعدتها حتى شربت الحساء، وأطعمتها كمية قليلة من الطعام. فقالت:
- يكفي يا بنتي الحمد لله، وعندما ألحت عليها سعاد بأن تأكل كمية إضافية أجابتها:
- صدقيني ليس لدي شهية للطعام، وما أكلت إلا لأجل خاطرك، فأنت تعرفين معزتك عندي، وابتسمت ونظرت إلى سعاد بعينين ملؤهما الحب والحنان, فأمسكت سعاد بيدها وضغطت عليها ضغطة خفيفة وقالت بصوت صادق:
- يشهد الله أني أحبك أنا أيضاً من كل قلبي يا خالتي، أسقتها الدواء وعندما همت بالانصراف، أمسكت أم أيوب يدها، وطلبت أن تجلس معها قليلاً.
جذبت كرسياً وقربته من السرير وقالت:
- ها يا خالتي كيف الحال الآن؟ قالت:
- الحمد لله، صدقيني بأن وجودك في هذا المكان هو الذي يؤنس علي وحدتي، ثم وضعت يديها عليها ولامست شعرها ووجهها وهي تبتسم لها، وأخذت تتأمل شعرها الكستنائي وعينيها العسليتين قائلة:
- ما أجملك يا سعاد !! وكم أتمنى لو كنت زوجة لابني بدلاً من هذه الإنجليزية التي تزوجها وأحضرها معه، فأنت أجمل منها بألف مرة، ويكفي إنك بنت بلد ومعروفة الأصل.
شعرت سعاد بالخجل وتمتمت بكلمات غير مفهومة. فقالت أم أيوب:
- الله يسامحك يا ابني !!. حتى فرحة عرسك حرمتني منها، وأنا التي انتظرت السنين الطويلة حتى أزوجك وأفرح بك. قالت سعاد:
- كل شيء قسمة ونصيب يا خالتي. قالت أم أيوب:
- صحيح كل شيء مقدر ومكتوب عند رب العالمين، ولكن هي رغبة كانت لدي ولم تتحقق، فليس كل شيء يتمناه الإنسان في هذه الدنيا يتحقق دائماً، ولكني مشتاقة لرؤيته يا بنتي، أرجوك أن تعاودي الاتصال به في الصباح. قالت سعاد وقد عقدت العزم على أمر ما:
- إن شاء الله يا خالتي، سأدعك الآن لترتاحي, وسوف أحضر إليك في الصباح قبل أن أنهي دوامي، تصبحين على خير قالت:
- وأنت من أهله.
خرجت سعاد من الحجرة بعد أن عدّلت وضع الأغطية على أم أيوب وأطفأت الضوء وأغلقت الباب خلفها.

عزمت سعاد أن تذهب إلى الدكتور أيوب في عيادته في الصباح بعد انتهاء ورديتها، لترجوه بأن يأتي لزيارة أمه، ولتشرح له كم أن والدته مشتاقة إليه، وهي متأكدة من أن قلبه لا بد وأن يلين على والدته عندما تحدثه عن حالتها، وسيأتي لزيارتها.
حاولت أم أيوب بعد أن خرجت سعاد من عندها أن تنام، ولكن النوم فارق جفنيها، رغم محاولتها جاهدة أن تنام، ولكن الألم يعتصر قلبها لعدم رؤيتها لابنها، فآخر مرة قد رأته فيها كانت قبل ستة أشهر، عندما حضر لزيارتها مع ابنه في العيد، وقد احتضنته يومها وقبلته، وأخذت تلاعب ابنه الصغير قائلة إنّه يشبهه كثيراً وإن كان قد اكتسب شعره الأشقر وعينيه الزرقاوين من أمه الإنجليزية، إلا أن ملامحه تشبهه، فهز رأسه، وبعد وقت قصير، وقف متهيئاً للمغادرة، وقد أعطاها حقيبة فيها ملابس جديدة وناولها مبلغاً من المال قائلاً بأنها قد تحتاج إليه، فأخبرته بأنها لا تحتاج إلى المال في هذا المكان، إلا أنه وضعه على الطاولة بجانبها، وعندما رجته أن يبقى عندها فترة أخرى، أخبرها بأنه لديه شغل كثير في المستشفى وأنه سوف يعود لزيارتها قريباً، وودعها وأخذ أبنه وانصرف، وبقي قلبها متعلقا ًبه بعد خروجه، وهي تدعوا له بالتوفيق والسلامة وتذكره بأن لا يغيب عليها كثيراً.

آآه يا ابني ما الذي منعك من زيارة أمك كل هذه الشهور؟ ألم تشتاق إليها مثلما هي مشتاقة لك؟ هزت رأسها في يأس وحاولت النوم علّها تجد في النوم راحة، لكنها لم تستطع.

عادت إليها ذكريات بعيدة، وها هي تعود بذاكرتها إلى الوراء سنوات طويلة تبدو لها هذه الذكريات شديدة الوضوح وكأنها محفورة في الذاكرة، وتتذكر كيف خرجت من قريتها في قضاء يافا عام 1948. تذكر هذا اليوم بكل وضوح، كان عمرها في ذلك الوقت لم يتعدَّ السبع سنوات، وكانت تلعب في البستان قرب البيت مع ابنة خالتها (ختام) عندما سمعت صوت انفجارات ودخان ينبعث من كل مكان في القرية، وكيف دب الهلع والذعر بين أهالي قريتها، وكيف رأت الناس يهربون أفراداً وجماعات، تاركين خلفهم بيوتهم ومتاعهم، ويصيحون قائلين بأن اليهود قد هجموا على القرية، وما زال سماع أصوات الانفجارات يتوالى حاملة رائحة الموت والبارود، وتسمع من بين أصوات الانفجارات والدها وهو ينادي عليها من أمام البيت لتحضر بسرعة، ولكن الخوف قد شل حركتها، وفجأة!!.. رأت والدها يغيب بين سحب من الدخان والغبار بعد عدة انفجارات قريبة من بيتهم، أخذت تبكي بصوت عالٍ وهي خائفة بشدة من هول ما رأت، ولم تَعِ إلا ويد تمسك بها وتجرها من يدها، فنظرت بخوف، وإذا بخالتها ممسكة بها، وباليد الأخرى تمسك بابنتها التي كانت قبل لحظات تلعب معها، وزوج خالتها يحثهم على الركض لينجوا بحياتهم، ومرت من أمام بيتهم وقد رأته قد تحول إلى كومة من الحجارة بفعل القذائف التي سقطت عليه، وقد قتل جميع أفراد عائلتها قبل أن يمنحوا فرصة للهرب.
و تتوالى رحلة العذاب لتجد نفسها في خيمة في إحدى المخيمات مع خالتها وزوجها وابنتهم.

تتذكر كل ذلك بمرارة وأسى في أعماق نفسها، كيف ذاقت اليتم والتشرد في سن صغيرة، وكيف عاشت في بيت خالتها التي ربتها مع ابنتها حتى كبرت وتزوجت، وتتذكر زوجها أبو أيوب قائلة في سرها رحمة الله عليك يا أبا أيوب لقد ارتحت من عناء هذه الحياة وشقائها، وأخذت تفترض لو أن زوجها ما زال حتى هذا الوقت على قيد الحياة يا ترى كيف سيكون عليه الحال، أطلقت تنهيدة عميقة وعادت إلى ذكرياتها في بيت خالتها، وقد أصبح عمرها ستة عشر عاماً، وقد حل مكان الخيمة التي سكنوها عند خروجهم من قريتهم، بيت من الصفيح مكون من غرفتين صغيرتين، لا يساوي شيئاً مقارنة مع بيتهم الجميل الذي تهدم، ولكنه أفضل من الخيمة التي كانوا بها، والتي كانت تتحول أرضيتها إلى طين في فصل الشتاء، وقد كان الحال كذلك بالنسبة لبقية الخيام، فقد حول اللاجئون الخيام إلى بيوت من الصفيح، بعدما طال انتظار عودتهم إلى وطنهم.
في أحد الأيام، وبينما كانت تتحدث مع ابنة خالتها ختام، دخلت عليها خالتها وقالت لها بأنها تريد أن تحدثها في أمر هام، وطلبت من ابنتها أن تتركهما لوحدهما، وعندما ذهبت ختام قالت لها باهتمام:
- خير إن شاء الله يا خالتي . قالت:
- كل الخير يا بنتي، تعرفين بأنني ربيتك كما ربيت ابنتي ختام، و يعلم الله بأنك عندي بنفس مَعزّتها. قالت:
- أنا أعرف ذلك وأعتبرك دائماً مثل والدتي رحمها الله. قالت خالتها:
- أنت قد أصبحت صبية في سن الزواج، وقد تحدثت معي جارتنا(أم حسين) تريدك لأبنها(حسين).
ارتبكت وقد احمرت وجنتاها من الخجل، فهي لم تفكر في أمر الزواج من قبل. فقالت:
- كما تشائين يا خالتي. قالت خالتها:
- أنا لا أرغمك على شيء، ولكن صدقيني لو طلبوا ابنتي ختام لما ترددت ! ولا تتعجّلي بالرد وفكري على مهلك، وتركتها وذهبت.
عادت ابنة خالتها ختام وقد دفعها فضولها لتعرف الموضوع، فحكت لها ما دار بينها وبين خالتها، عندها ضحكت ختام وقالت لها:
- ألف مبروك ولا تتركي هذه الفرصة تضيع منك فالعريس حسين شاب وسيم ومهذب، ألم تلاحظي عليه عندما كنا نذهب إلى حنفية الماء وكان هو ينزل من الشاحنة التي كان يقودها، كيف كان يضع رأسه في الأرض وهو يطرح علينا السلام. قالت لها:
- نعم إنّه إنسان مؤدب وأهله محترمين.
وتذكرت كيف أن والدة حسين كانت تعاملها بلطف عندما كانت تراها أثناء زيارتها لهم ولم تستطع أن تفسر هذه المعاملة اللطيفة الزائدة في حينها، ولكن السبب قد أصبح واضحاً الآن.
وما هي سوى أيام قليلة حتى أقيم عرس بسيط، وانتقلت إلى بيت زوجها الذي لم يكن بعيد عن منزل خالتها في نفس المخيم.
وما زالت أم أيوب في ذكرياتها القديمة حتى سمعت المؤذن يؤذن لصلاة الفجر، فقرعت الجرس حتى تأتي سعاد لتساعدها لتتوضأ وتصلي الفجر.

عندما أنهت سعاد ورديتها في الصباح جهزت نفسها للذهاب إلى الدكتور أيوب في عيادته وهي عاقدة العزم على أن تقنعه بزيارة والدته، وتذكرت بأنها يجب أن تتصل مع بيت عمها لتخبرهم عن تأخرها بالعودة، ولكنها قالت بينها وبين نفسها بأنهم لن يفتقدوها، فهي لن تتأخر عن موعد عودتها أكثر من ساعة أو ساعة ونصف، وعلى العموم فهي سوف تبيت الليلة هناك حتى تأتي لورديّتها المسائية في اليوم التالي، وليست في عجلة من أمرها لمقابلة زوجة عمها (عزيزة) التي لا تحبها, فهي تعيش مع عائلة عمها منذ أن توفي والديها في حادث السير المشؤوم، وكانت هي برفقتهم، حصل ذلك قبل عشر سنوات، عندما كانوا في طريق عودتهم بعد زيارتهم لبيت عمها في العاصمة إلى بيتهم في محافظة قريبة من العاصمة، حيث كان والدها يعمل مدير فرع لأحد البنوك هناك، فخرجت شاحنة من الطريق وصدمت سيارتهم. ولم تعي على نفسها إلاّ وهي في المستشفى، ويدها اليسرى وقدمها اليسرى في الجبس، وعدة جروح وكدمات في وجهها وباقي جسدها، وتجد عمها وزوجته وابن عمها حولها في غرفتها في المستشفى, وعندما سألت عن والديها أخبرها عمها بأنهما قد توفيا في الحادث، ومنذ ذلك الحين وهي تعيش في بيت عمها.

لم يجد سائق الأجرة التي أقلها عناءً في معرفة عنوان عيادة الدكتور أيوب، فهو طبيب مشهور في تخصص جراحة القلب, وما أن نزلت من السيارة، حتى وجدت نفسها أمام بناية فخمة من الحجر، مكونة من عدة طوابق وفيها عدد من العيادات الطبية, دخلت إلى مدخل البناية وبحثت في اللوحة المعلقة في مدخل البناية عن اسم الدكتور أيوب، فإذا بعيادته في الطابق الثالث، استقلت المصعد إلى الطابق الثالث, ودخلت العيادة من الباب الذي كان مفتوحاً فوجدت نفسها في صالة انتظار المرضى, تقدمت نحو السكرتيرة وأخبرتها أنها ترغب في مقابلة الدكتور أيوب، وبأنها ليست مريضة، ولكنها تريده في أمر خاص. قالت لها:
- إن الطبيب مشغول حالياً مع أحد المرضى ويمكنك أن تنتظري حتى ينتهي.

جلست سعاد على أحد مقاعد الانتظار، وأخذت عينيها تجولان في المكان الذي يدل على الفخامة، من حيث الأرضيات الرخامية والمقاعد المنجدة بشكل جيد، والنظافة غير المتناهية في المكان، وفي آخر القاعة هنالك باب مغلق، فقدرت سعاد بأنه لا بد وأن يكون مكتب الدكتور أيوب وغرفة فحص المرضى.
بعد عدة دقائق خرج المريض، ودخلت السكرتيرة لتخبر الطبيب بأمر الزائرة, وعادت بعد عدة دقائق لتسأل عن اسمها وعن سبب زيارتها. فقالت لها:
- اسمي سعاد، وقد حضرت من دار الأمل لرعاية المسنين، فغابت السكرتيرة لحظات وأشارت إليها بالدخول.
دخلت سعاد إلى غرفة المكتب، وقد جلس الدكتور أيوب خلف طاولة فخمة من خشب الأرز، وأمامه ملف لأحد المرضى يسجل فيه بعض الملاحظات، وعندما أحس بها رفع إليها بصره وطلب إليها بعدم اهتمام أن تجلس, وعاد إلى أوراقه.
جلست سعاد في أحد المقاعد قرب المكتب، وأخذت تنظر إليه بطرف عينها، فهي لم تلتقي به من قبل, فحتى في المرات القليلة التي زار فيها والدته، كان يأتي يوم الجمعة وهو يوم عطلتها الأسبوعية.
استغلت سعاد انشغاله في الأوراق التي أمامه, وركزت النظر إليه أكثر فوجدت بأنه وسيم، في عقده الرابع، حنطي البشرة وشعره منحسراً قليلاً عن جبهته، وخلف نظارته الطبية عينان سوداوان تلمعان بذكاء، وأحست بأنها تعرفه من قبل، ثم تذكرت فجأة الصورة الوحيدة التي تحتفظ بها أم أيوب، فقد كانت تراها تنظر إليها في مرات كثيرة، وفي إحدى المرات التي دخلت عليها وهي تشاهد الصورة وسألتها عن صاحبها أخبرتها بأنها صورة أبو أيوب وها هي ملامحه تشبه ملامح والده إذا، مما يفسر لها إحساسها بأنها تعرفه من قبل, انتهى الدكتور أيوب من الكتابة، فوضع الملف جانباً وقال بدون مقدمات:
- تفضلي خير إن شاء الله. قالت:
- أنا سعاد من دار الأمل ..... ولم يدعها تكمل جملتها حتى قال بصوت فيه عصبية:
- أعرف ..... أعرف لقد أخبرتني السكرتيرة بذلك ولكن ما هو سبب زيارتك ..... إذا كان بخصوص المال فقدت أرسلت لكم شيكاً بالمبلغ قبل يومين. قالت سعاد:
- أبداً يا دكتور ليس هذا سبب الزيارة. قال وهو ينظر إلى الساعة في يده:
- إذن ما هو سبب الزيارة. قالت:
- لقد أتيت لكي أرجوك أن تأتي لزيارة والدتك، فهي مشتاقة لك كثيراً، وتفكر بك ليل نهار، ولا تكف عن الطلب بالاتصال بك لإبلاغك رغبتها. قال:
- ليس لدي وقت للزيارة، وأنا مشغول جداً وقد أخبرت إدارة الدار لديكم عندما اتصلوا بي قبل يومين بأنني لا أستطيع زيارتها حالياً. قالت:
- ولكن يا دكتور .......... قال مقاطعاً:
- أرجوكِ أنا مشغول كما ترين ..... على كل حال سوف آتي لزيارتها إذا سنحت لي الفرصة بذلك, ثم نهض واقفاً منهياً بذلك الزيارة.
خرجت من العيادة وهي تستشيط غضباً وتلعن في سرها الدكتور أيوب وكل الأبناء الجاحدين أمثاله, معقول! ... هل يوجد أحد في هذه الدنيا بكل هذه القسوة وهذا النكران للجميل؟ كيف يبخل على والدته حتى بمجرد زيارتها؟ صحيح أنه يدفع للدار مبلغ كبيراً شهرياً لقاء إقامة والدته وللخدمات الإضافية التي تقدم لها, ولكن كل مال الدنيا لا يساوي شيئاً أمام اشتياق أم أيوب لابنها, وتستغرب كيف أن أم أيوب تقابل قسوة ابنها الوحيد وعقوقه بقلب أم حنون، ولا تكف عن التضرع بالدعاء إلى الله بأن يحفظه.
لم تَدرِ كم من الوقت مضى وهي تسير في الشارع تحدث نفسها, ثم استقلت سيارة أجرة وتوجهت إلى بيت عمها.
دخلت سعاد البيت واجمة, وألقت السلام على زوجة عمها عزيزة التي قابلتها بترحاب على غير العادة قائلة:
- أهلاً.... أهلاً.... يا بنتي، وسلّمت عليها بحرارة واحتضنتها وأضافت قائلة:
- تعالي يا سعاد اجلسي معي قليلاً فأنا مشتاقة إليك. قالت سعاد:
- أريد أن أدخل إلى غرفتي لأرتاح, فأنا لم أنم طيلة الليل, قالت عزيزة:
- حسناً ارتاحي الآن، وسوف أوقظك عندما يأتي عمك وابن عمك (خالد) من العمل حتى نتغذى سوياً، فقد جهزت لك اليوم الدجاج المحشو الذي تحبينه.
لم تعلق سعاد ودخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها وهي مستغربة هذا اللطف الزائد من عزيزة, ثم قالت لا بد وأن تطلب منها بعض المال, فهي كعادتها تتملقها عندما تريد منها نقوداً.

بدلت ثيابها ونامت, ولم تستيقظ سوى على صوت عزيزة وهي تطل برأسها من باب الغرفة تطلب منها أن تقوم لتناول الغداء, فقد حضر عمها وخالد من العمل.

نهضت سعاد من السرير بتثاقل وتمنت لو تعود إلى النوم, فهي قد بقيت مستيقظة طيلة الليلة الماضية في دار الرعاية، ومشوارها إلى عيادة الدكتور أيوب أتعب أعصابها, غسلت وجهها وعدلت شعرها بغير اكتراث ودخلت إلى صالة الطعام. لتجد عمها وابنه قد سبقاها إلى الطاولة، ألقت عليهم التحية وجلست في أقرب مقعد، رحب بها عمها بدوره بحرارة لا تقل عن ترحاب زوجته، مما زاد من دهشتها ولكنها لم تجد لهذا الترحاب أي تفسير.
حانت منها التفاتة إلى خالد فابتسم لها ابتسامة بلهاء ضمنها سؤال عن عملها وعن صحتها، فأجابت بكلمات مقتضية وأقبلت على الطعام، أنهت سعاد طعامها بسرعة، فهي لم تجد شهية للأكل ربما بسبب يومها السيئ أو بسبب إعيائها، وعندما نهضت لتغسل يديها قالت عزيزة:
- إنكِ لم تأكلي شيئاً، وقد أعددت الطعام الذي تحبينه خصيصاً لقدومك، أم أن الطعام لم يعجبك؟ قالت سعاد:
- الحمد لله لقد شبعت، وشكراً لك فالطعام لذيذ وقد أكلت على قدر استطاعتي.
ما أن خطت سعاد عدة خطوات، حتى غمزت عزيزة زوجها بطرف عينها في إشارة فهم مغزاها على الفور، فقال مخاطباً سعاد:
تعالي بعد أن تغسلي يديك لنشرب الشاي معاًً فأنا أريدك بموضوع هام.
عادت سعاد فوجدت عمها وخالد جالسين وقد جلست قربهم عزيزة تصب الشاي، فجلست على المقعد قرب عمها، وضعت عزيزة كأساً من الشاي أمامها على الطاولة.
بادرت سعاد بالحديث قائلة:
- خير يا عمي ما هو الموضوع الهام الذي تريدني فيه. قال عمها:
- خير إن شاء الله . قالت عزيزة:
- بل هو الخير بعينه، قال عمها:
- أنت تعرفين يا ابنتي كم أحبك وكم أحرص على مصلحتك وسعادتك، وقد ربيناك أنا وعزيزة بعد وفاة والديك رحمهما الله وقد عاملناك كما كنا نعامل ابننا خالد تماماً. قالت سعاد:
- شكراً لك يا عمي، ولن أنسى لكم هذا الفضل ما حييت وأرجو من الله أن يقدرني على رد الجميل. قال عمها:
- وها أنت قد أصبحت صبية، ولم أقف أمام رغبتك في دخول الجامعة أو بالعمل بعد تخرجك، وأنت تعملين الآن في دار الرعاية منذ ثلاث سنوات. قالت سعاد:
- نعم يا عمي فأنت تعرف بأن رغبتي في العمل هي لأجل أن أشق طريقي في الحياة معتمدة على نفسي. قالت عزيزة:
- ولكن كما تعرفين فإنه لا بد لكل فتاة في النهاية أن يكون لها زوج يرعاها وبيت وأولاد. قالت سعاد:
- أنا لا أفكر في الزواج حالياً، إضافة إلى أنني لم أجد الشخص المناسب ليكون شريكاً لحياتي. قال عمها:
- الشخص المناسب موجود. قالت سعاد باستغراب
- وأين هو؟ قال عمها:
- إنه ابن عمك خالد، وهو ليس غريباً عنك ومن لحمك ودمك، ولن تجدي أحداً يرعاك أحسن منه.
شتّتت المفاجأة تفكيرها، وأحست بأنها سوف تغيب عن وعيها من الصدمة التي أحدثها كلام عمها، ولكنها استعادت توازنها وحاولت أن تسيطر على انفعالها. فقالت:
- أنا أعتبر خالد مثل أخي، ولم أفكر به زوجاً لي في يوم من الأيام. قالت عزيزة:
- دعك من هذا الكلام، إنه ابن عمك وليس أخيك. قالت سعاد:
- أنا لم أعتبره طيلة حياتي أكثر من كونه أخاً لي، أما أن أتزوجه فهذا أمر مستحيل. قالت عزيزة محرضة وموجهة كلامها إلى زوجها:
- هل يعجبك هذا الجواب منها بعد كل الذي فعلناه لأجلها؟
قال عمها وهو يحاول أن يبقى هادئاً:
- ربما أنها تفاجأت بالموضوع فلندعها تفكر في الأمر. قالت سعاد:
- ليس لدي أكثر من هذا الجواب، ورأيي لن أغيره حتى ولو بعد مائة عام. عند ذلك استشاط عمها غاضباً ووقف وهو يشير بيده في وجهها قائلاً:
- سوف تتزوجينه رغماً عن أنفك.
انتفضت واقفة أمامه وقالت بحدة وحزم:
- لن أتزوجه حتى لو انطبقت السماء على الأرض, قالت عزيزة:
- ما الذي لا يعجبك في خالد؟ أي فتاة تتمنى أن يكون زوجها. قالت سعاد:
- أي فتاة في الدنيا إلا أنا.
وهنا تدخل خالد في الحديث وكان قد اكتفى بدور المراقب, قائلاً بكل برود:
- الله يسامحك يا سعاد أنا لا أعجبك. ردت بغضب:
- لا تعجبني ولن أقبل بأن تكون زوجاً لي. قالت عزيزة:
- بل أن ظفره أحسن من مائة مثلك. قال عمها:
- سوف تتزوجينه غصباً عنك. قالت سعاد:
- لن أفعل حتى لو قطعتموني إربا, وأنصحكم أن تنسوا الموضوع نهائياً، وإلا سوف أصرخ وأستدعي الجيران ليخلصوني منكم. فصرخ بها عمها:
- يا ناكرة الجميل، هل نسيت تربيتنا لك وإحساننا إليك؟ فقد ربيناك وعلمناك، وهذا هو جزاؤنا منك إذن. قالت سعاد:
- إن نفقات دراستي كانت جزءاً من المال الذي تركه لي أبي، والذي استوليت عليه أنت وزوجتك, ولن يكون ثمن الأيام التي عشتها عندكم أن أتزوج من ابنك.

فما كان من عمها إلا أن صفعها على وجهها صفعة أحست معها بأن الشرر يتطاير من عينيها وأخذت تتحسس وجهها بيديها وهي تصرخ قائلة من بين دموعها:
- أتضربني يا عمي لأجل أن تزوجني من ابنك الصعلوك, والله لن أبقى عندكم في البيت ولا دقيقة بعد الآن. وركضت إلى غرفتها وصفقت الباب خلفها, حاول عمها أن يلحق بها إلا أن عزيزة أمسكت به وطلبت منه أن يدعها وشأنها، فأخذ يشتمها منتقياً من قاموس الشتائم أسوأها.

جلست سعاد على سريرها وهي تبكي بحرقة من قسوة عمها وزوجته، وتمنت ساعتها لو كان والداها على قيد الحياة، لما أهينت في بيت عمها كل هذه الإهانة, إلا أن وفاتهم قد وضعتها بين يدي عمها وزوجته، يتحكمون بها دون أن يرحموا يتمها.
فقررت أن تترك البيت, وقامت إلى خزانة ملابسها وأحضرت حقيبة، وضعت فيها كل ملابسها وأشيائها المهمة, وقررت أن لا تخرج من غرفتها حتى صباح الغد، وستخرج باكراً من البيت قبل أن يستيقظ أحد.
وقررت كذلك أن تترك لهم رسالة تطلب منهم فيها أن يدعوها لحال سبيلها وأن لا يبحثوا عنها, وإذا حاولوا مضايقتها فسوف تلجأ إلى الشرطة, فهي قد أصبحت راشدة ومن حقها أن تختار الحياة التي تناسبها, وبيّتت نيتها على هذا القرار.

لم تنم سعاد طيلة الليل وهي تفكر في تنفيذ خطتها, وكلما تذكرت كلمات عمها بأنه سوف يغصبها على الزواج من ابنه خالد، حتى يغلي الدم في عروقها, كيف تتزوج خالد؟ وهي طيلة عمرها تكرهه وتحتقره، وتعتبره مثالاً للإنسان الفاشل، فهو قد ترك دراسته قبل أن يصل المرحلة الثانوية، وقضى حياته يتسكع في الشوارع دون أن يكون له أي هدف في الحياة, وكبر وهو يعتمد على أمه كلما احتاج إلى نقود, ولم تكن تبخل عليه, فهو وحيدها المدلل, وعندما كان أبوه يعترض، كانت تقنعه بأنه ليس لهم في الدنيا غيره, وسيأتي يوم ويعتمد فيه على نفسه، وأمام إلحاح والده، فإنه الآن يعمل في إحدى الشركات بوظيفة متواضعة. وتتذكر كيف حاول أن يتودد لها في إحدى المرات، عندما كانت في المرحلة الثانوية، وقد طلبت منه أن يكف عن تصرفاته وإلا فسوف تخبر عمها, ولما كرر ذلك شكته إلى عمها الذي زجره بشدة، وطلب منه أن لا يعود إلى فعلته هذه مرة ثانية, الأمر الذي لم يعجب أمه عزيزة، فحقدت عليها كون ابنها قد أهين من والده بسببها, أما هي فقد زاد كرهها واحتقارها له ولعزيزة.

عندما لاحت تباشير الصباح في الأفق, خرجت سعاد من غرفتها على أطراف أصابعها وهي تحمل حقيبتها حتى لا ينتبه إليها أحد, وخرجت من المنزل, واستقلت سيارة أجرة أوصلتها إلى دار الرعاية.
عندما شاهدتها زميلتها (علياء) استغربت وصولها المبكر, فقالت لها وهي تشير بنظرها إلى الحقيبة:
_ خير إن شاء الله. قالت سعاد:
- حكاية طويلة سوف أحكيها لك لاحقاً, المهم كيف حال أم أيوب. قالت علياء:
- يبدو أنها لم تنم طيلة الليل، وعندما استدعتني عند أذان الفجر لأجل أن تتوضأ وتصلي كانت تبدو مرهقة, وهي الآن نائمة. قالت سعاد:
- سوف أذهب إليها عندما يحين موعد الإفطار واطمئن عليها. قالت علياء:
- وأنت ما سبب عودتك المبكرة؟ ولماذا تحملين هذه الحقيبة؟
قصت لها سعاد الحكاية, وأخبرتها بأنها لن تعود إلى بيت عمها مهما حصل. قالت علياء:
- لا عليك وتعالي للإقامة عندي, فأنت كما تعرفين أعيش أنا ووالدتي لوحدنا بعدما هاجر أخي إلى أمريكا, ونحن صديقات منذ أيام الجامعة. قالت سعاد:
- شكراً لك, أريد أن أسكن في بيت لوحدي ولا أريد أن أكون عالة على أحد . قالت علياء:
- أنا أعرف أنك تحبين الاستقلالية. ولن أضغط عليك, ولكن على الأقل اقبلي ضيافتي مؤقتاً حتى تجدي حلاًّ لمشكلتك ونبحث لك عن بيت مناسب. قالت سعاد:
- إذا كان بشكل مؤقت فأنا موافقة.

أصبحت الساعة الثامنة, وحان وقت وجبة الإفطار, وقدرت سعاد بأن عمها لا بد وأنه استيقظ الآن حتى يذهب إلى العمل, ولا بد بأنه قرأ الرسالة, فقد تعمدت أن تدع باب غرفتها مفتوحاً حتى ينتبهوا إلى رسالتها التي وضعتها على السرير, وأحست بشيء من القلق إلا أنها قد عادت تشجع نفسها بأن قرارها كان سليماً.
حملت سعاد وجبة الإفطار والدواء وتوجهت إلى غرفة أم أيوب وقد كانت ما تزال نائمة, وما أن أحست بقدوم سعاد حتى استيقظت وحاولت الجلوس، فساعدتها سعاد وعلى أن تجلس باستقامة على السرير وبادرتها قائلة:
- صباح الخير, كيف حالك الآن؟ قالت:
- الحمد لله, غير أنني لم أنم إلا بعد صلاة الفجر, وأشعر بإرهاق. قالت سعاد:
- ما الذي يشغل بالك حتى بقيت مستيقظة طيلة الليل. أجابت بتنهيدة قائلة:
- كنت أفكر في حال هذه الدنيا التي أوصلتني إلى هذا المكان. قالت سعاد :
- لا عليك يا خالتي، دعي الأمور لتدبير رب العالمين. قالت أم أيوب:
- ونعم بالله يا بنتي، وأنت أيضاً يبدو عليك التعب وكأنك لم تنامي طيلة الليل، ألم تكن عطلتك بالأمس؟! قالت سعاد وهي ساهمة تفكر:
- نعم ولكنني لم أنم طيلة الليل. قالت أم أيوب:
- خير إن شاء الله. قالت سعاد:
- حكاية طويلة سوف أحكيها لكِ بعد أن تتناولي إفطارك.
تناولت أم أيوب إفطارها وأعطتها سعاد الدواء، وحكت لها حكايتها مع عمها وزوجته وعندها قالت أم أيوب:
- ما بال الناس قد ماتت في قلوبهم الرحمة، وماذا تنوين أن تفعلي الآن. قالت سعاد:
- لقد تركت البيت وأنا مصممة أن لا أعود إليه أبداً، وسوف أسكن مع علياء ووالدتها حتى أجد بيتاً مناسباً لأستأجره وأعيش فيه لوحدي. قالت أم أيوب:
- الله يوفقك إلى الخير، وأن يرزقك بابن الحلال الذي يقدر قيمتك ويرعاك، فأنت تستأهلين كل الخير. قالت سعاد:
- شكراً لك يا خالتي، وأرجو من الله أن يستجيب لدعائك. ودّعتها وانصرفت لشغلها، ولم تنسَ أن تذكرها بأن تطلبها إذا احتاجت لشيء.
بقيت أم أيوب لوحدها في الغرفة بعد أن غادرت سعاد، وبقيت تفكر فيها وفيما حصل لها من عمها وزوجته، وكيف أنهما تشتركان في نفس الألم، فسعاد تعاني من قسوة عمها وزوجته، وهي نفسها تعاني من قسوة ابنها وعقوقه لها.
وسرحت بخيالها عند ذكر ابنها إلى سنوات طويلة، وهي تجلس مع أبي أيوب في بيتهم في المخيم، وكان أيوب قد بلغ السنتين من العمر، وتتذكر أبا أيوب وهو يحدثها عن طموحه للأيام القادمة، وكان قد ترك عمله على الشاحنة، وعمل في منجم للفوسفات براتب أفضل. قال أبو أيوب:
- ها هو أيوب أصبح عمره سنتين وأريدك أن تملئي البيت أولاداً، أريد خمسة أولاد، بل ستة، وأريد أن أعلمهم أحسن تعليم، حتى لا يعانوا في حياتهم مثل معاناتنا، فأيوب سوف يصبح طبيباً وأخوه مهندساً والآخر ... فقاطعته ضاحكة:
- مهلاً.. مهلاً يا أبو أيوب عندما يأتون سوف نفكر بهم. قال:
- نعم... نعم ... ولكن أريدهم أن يتعلموا وأن يدخلوا أحسن الجامعات، وأن أفاخر بهم أهل المخيم. قالت:
- إن شاء الله يديمك ويحفظك لنا وتراهم ناجحين.
سعل أبو أيوب عدة مرات وأخذ بعدها يتنفس بصعوبة. قالت وقد أشفقت لحاله:
- ألم تذهب لطبيب الشركة؟ فأنت تسعل بهذا الشكل منذ شهر. قال:
- لقد ذهبت اليوم، وطلب مني أن أراجع طبيباً اختصاصيّاً في المستشفى، لإجراء فحوصات وصور أشعة. قالت:
- ولماذا لم تذهب؟ هيا قم وجهز نفسك وسوف آتي معك. قال:
- حسناً سأذهب ولكن لا داعي لحضورك، وسأجري الفحوصات وأعود بسرعة، أبقي أنت مع أيوب. قالت:
- بل سآتي معك وسنأخذ أيوب معنا.
بعد أن أنهى الطبيب إجراء الفحوصات اللازمة سأله وهو ينظر في صور الأشعة ونتائج الفحص أمامه:
- منذ متى وأنت تعاني من هذه الحالة. قال:
- منذ شهر تقريباً. قال الطبيب:
- ومنذ متى وأنت تعمل في مناجم الفوسفات. أجاب:
- منذ سنة ونصف. قال الطبيب وقد عاد ينظر في الفحوصات والصور الشعاعية:
- يجب أن تبقى في المستشفى لعدة أيام. قال أبو أيوب بقلق:
- خير إن شاء الله هل الأمر خطير. قال الطبيب:
- أن شاء الله خير، ولكن حالتك تستدعي عناية، ومن الأفضل أن تبقى في المستشفى حتى تتحسن حالتك.
قالت أم أيوب وهي تحاول أن تشجعه بعد أن لاحظت قلقه:
- اسمع كلام الطبيب وابقى في المستشفى حتى تطمئن، وإن شاء الله ستخرج معافى وسوف آتي لزيارتك كل يوم.
خرج أبو أيوب من المستشفى بعد خمسة أيام وقد تحسنت حالته قليلاً، إلا أنه عاد بعد أسبوعين إلى المستشفى وقد اشتد به المرض، واخذ يخرج الدم من رئتيه عندما يسعل، وقد أعلن الطبيب بعد عدة زيارات للمستشفى، بأنه مصاب بسرطان في الرئتين نتيجة تنشقه لغبار الفوسفات، ولم يمهله المرض طويلاً حتى توفي بعد شهرين.

أخذت أم أيوب تفكر بحالها وبحال ابنها الوحيد، وقد أصبحا ليس لهما من معيل إلا الله سبحانه وتعالى، والنقود القليلة التي أخذتها من الشركة التي كان يعمل فيها زوجها، لن تكفيهم سوى بضعة أشهر.
ولم يطل بها التفكير فقد قررت أن تعتمد على نفسها وأن تعمل، حتى تعيل نفسها وتعيل ابنها، وهداها تفكيرها إلى أن تعمل في سوق الخضار، وفي نفس المخيم حتى تبقى قريبة من المخيم ومن أهل المخيم، فذهبت واتخذت لنفسها مكاناً في طرف السوق جلست فيه ووضعت أمامها الخضار التي ستبيعها، وكانت عبارة عن الفجل والبقدونس والنعناع.

بدأت رحلة الشقاء لأم أيوب، فها هي تخرج إلى السوق منذ الصباح الباكر، تاركة أيوب مع خالتها التي أصبحت وحيدة بعد وفاة زوجها وسفر ابنتها ختام مع زوجها إلى ألمانيا، وتبقى في السوق لغاية العصر، لتعود إلى البيت في نهاية اليوم بقروش قليلة، لتنام هي وابنها وحيدين.
وتمر الأيام، وهي على هذه الحالة تذهب إلى السوق في الصباح وتضع ابنها عند خالتها وتعود لتأخذه في نهاية اليوم.
وفي إحدى الأيام، ذهبت بعد انتهاء عملها في السوق إلى بيت خالتها لتأخذ ابنها كعادتها، إلا أنها وجدته نائماً، وأخبرتها خالتها بأنه ربما يكون مريضاً، وضعت يدها على رأسه فوجدت أن حرارته مرتفعة، فحملته عائدة به إلى البيت، وقد نصحتها خالتها بأن تعد له كمادات الماء البارد حال وصولها.
سارت به في أزقة المخيم الموحلة، حيث كان المطر قد هطل غزيراً طيلة اليوم، وصلت إلى البيت ووضعته في فراشه، وأحضرت قطعة قماش ووضعتها على رأسه بعد أن بللتها بالماء، محاولة أن تخفض حرارته, وكررت الأمر عدة مرات, ألا أن حرارته بقيت مرتفعة, واشتدت به الحمى وأخذ يتمتم بكلمات غير مفهومة, فزاد خوفها وقلقها عليه, وقررت أن تأخذه إلى الطبيب, ولكن قد أصبحت الساعة العاشرة ليلاً, والمطر في الخارج ينهمر دون توقف، محولاً أزقة المخيم إلى برك من الماء والطين, ولا يوجد أطباء في هذا الوقت, إلا أنها لم تستطع أن تنتظر حتى الصباح وهي ترى حالته تزداد سوءاً، وقد أخذ يرتجف وكأنه ورقة على غصن شجرة تعصف بها الريح, فقررت أن نأخذه إلى المستشفى العام.
حملته بعد أن لفته ببطانية، وخرجت تركض به في أزقة المخيم، والمطر ينهمر عليها بغزارة وقدماها تغوصان قي الطين ومياه المطر، والريح تعصف بملابسها المبللة، مسببة لها موجة من البرد تصل إلى عظامها, وبقيت تركض حتى وصلت إلى الشارع العام, وأخذت تشير إلى السيارات القليلة عسى أن تتوقف إحداها, وبالفعل توقفت إحدى السيارات فرجت سائقها أن يوصلها إلى المستشفى العام, وعندما وصلت كان الإعياء والبرد قد نالا منها, وأخذت تصرخ .... ساعدوا ابني أرجوكم, خرج الطبيب عند سماع صوتها وما أن رآها في هذه الحالة، حتى هرع إليها مسرعاً وأخذ ابنها ووضعه على السرير, وأخذ يفحصه فإذا بحرارته قد تجاوزت الأربعين, نادى الطبيب إحدى الممرضات؛ التي أخذته وقامت بخلع ملابسه، ووضعته تحت الماء البارد وهو يرتجف.
عادت به الممرضة بعد عشر دقائق بعد أن جففته من الماء, وقد انخفضت حرارته قليلاً, فعاد الطبيب إلى فحصه من جديد، وأوصى الممرضة أن يتم إجراء بعض التحاليل في المختبر، وطمأن والدته بأن ابنها سيكون بخير.
بعد حوالي نصف ساعة عادت الممرضة ومعها نتيجة التحاليل التي طلبها الطبيب، فقرأها وأخبرها بان ابنها مصاب بالتيفوئيد, وأنها قد فعلت صواباً بأن أحضرته الآن إلى المستشفى ولم تنتظر حتّى الصباح, وقال بأنه سيبقيه في المستشفى حتى ظهر غد زيادة في الاطمئنان، بقيت بجانبه مستيقظة طيلة الليل, وقد بلغ منها التعب مبلغة.
عند الظهر، عاد الطبيب إلى فحصه مرة أخرى، فوجد أن حالته قد تحسنت، وحرارته قد انخفضت، فقام بكتابة وصفة بالعلاج اللازم وطلب منها أن تصرفها من صيدلية المستشفى وأوصاها بضرورة التقيد بإعطائه العلاج في الوقت المحدد.
عادت به إلى البيت, وأخذت تنفذ تعليمات الطبيب بدقة, وتسهر على تمريضه ليل نهار لمده ثلاثة أيام انقطعت خلالها عن الذهاب إلى عملها في السوق حتى تحسنت حالته.

عادت أم أيوب إلى عملها كالمعتاد, وها هي السنوات تمر, و أيوب يدخل مدرسة المخيم في الصف الأول الابتدائي، وتصطحبه إلى المدرسة في اليوم الأول في الدراسة وأخذت توصيه بأن ينتبه لنفسه وأن يحفظ دروسه, وأن يأكل الساندويش الذي أعدته له, وأن لا ينسى أن يعود إليها في السوق عند انتهاء المدرسة، ووضعت في يده بعض النقود, فنظر بدوره إلى النقود ووضعها في جيبه دون اكتراث, ولم تنسَ أن توصي المعلمين على ابنها قبل أن تعود إلى عملها في السوق.

كان أيوب يعود من مدرسته إلى والدته في السوق، ويبقى بجانبها حتى العصر، وكان يسمع كل يوم تقريبا من الباعة في السوق أو من أحد المشترين يسأل والدته عنه وهو جالس بجانبها فتجيبهم قائلة:
- إنه ابني الوحيد أيوب، وسوف يصبح طبيباً عندما يكبر فيدعون لها أن يحقق الله مرادها.
مع ازدياد تردد أيوب على والدته في السوق, كره هذه الأجواء وكره جلسته بجانب أمه عند عودته من المدرسة, وكلما كبر زاد كرهه للأوضاع الذي يعيش فيها مع والدته, وقد أخبر والدته أكثر من مرة بأنه يكره المخيم والسوق ويكره هذه العيشة, فكانت تجيبه البركة فيك يا ابني, عندما تكبر وتصبح طبيباً، ستتغير هذه الحالة وسوف تفتح عيادة في المخيم, وستصبح طبيباً مشهوراً أفتخر به بين الجيران وأرفع رأسي فيك عالياً، إلا انه كان يخبرها بأنه إذا أصبح طبيباً فلن يعود إلى هذا المخيم وهذه العيشة أبداً.

كانت أم أيوب تلاحظ تبرم ولدها المستمر من العيش في المخيم, وانتقاده المستمر لوجودها في سوق الخضار, وكان ذلك يقلقها ولكنها كانت تبرر ذلك، بأنه ما زال صغيراً, وعندما يكبر سوف تتغير نظرته.
في أحد الأيام حضر إليها جارهم (أبو عادل) ومعه ابنه (عادل) وقد عصب رأسه, حياها أبو عادل فردت عليه التحية وقالت وهي تشير إلى (عادل):
- خير يا (أبو عادل), ما الذي أصاب عادل؟ قال أبو عادل:
- من أين سيأتي الخير يا أم أيوب, هل يرضيك ما حصل لـ عادل من ابنك. قالت:
- وماذا فعل أيوب لـ عادل؟ قال وهو يشير إلى رأس ابنه:
- لقد تشاجر ابنك مع عادل وقام بضربه بحجر في رأسه. قالت:
- هل معقول أن يفعل أيوب ذلك, ولماذا يضربك؟
- اسألي ابنك قالها أبو عادل بعصبية, وأضاف قائلاً:
- والله يا أم أيوب, لولا مَعزّتك عندي, ولولا الجيرة وأنا أعرف بأن أيوب ابنك الوحيد لكان لي تصرف آخر. قالت:
- حقك عليّ أنا يا أبو عادل وتوجهت إلى عادل واحتضنته وقبلته، قائلة بأنها سوف توبخ أيوب بقسوة على فعلته، وأنها سوف تأتي به إلى بيتهم ليعتذر منه، فأخذ أبو عادل ابنه وانصرف.
عندما عادت إلى البيت وجدت أيوب جالساً في البيت شارداً في أفكاره, فهو لم يعد يذهب إليها في السوق بعد عودته من المدرسة, منذ أصبح في المرحلة الإعدادية، بعد أن أخبرها بأنه يخجل من وقفته قربها، إذا صدف ورآه أحد زملائه في المدرسة.
قالت له بلهجة حازمة:
- هل صحيح بأنك ضربت عادل ابن جيراننا في المدرسة اليوم.
وعندما لم تجد منه جواباً, شدته من ذراعه وأعادت عليه السؤال.
فقام منتفضاً وهو يقول:
- نعم .... أنا ضربته بالحجر على رأسه, وسوف أقتله في المرة القادمة إذا عاد إلى فعلته. قالت بهلع:
- ما الذي تقوله يا ولد؟ وماذا فعل لك عادل حتى تقوم بضربه وتقول ما قلت؟ قال:
- لقد أخذ يسخر مني في المدرسة بعدما حصلت على علامة مائة من مائة في مادة الرياضيات وهو كانت نتيجته راسب، فأخذ يسخر مني ومن ملابسي هو ورفاقه, وأخذ يعيّرني قائلاً يا ابن (بياعة الفجل), عند ذلك تناولت حجراً وضربته على رأسه, وقد طردني مدير المدرسة بعد ما عرف ذلك قائلاً بأن لا احضر إلى المدرسة إلا إذا أحضرت وليّ أمري وأجهش بالبكاء.
أشفقت أم أيوب لحال ابنها, وهي تعلم بأنه يعز على نفس من هو في عمره بأن يطعن في كرامته, فاحتضنته وأخذت تمسح دموعه قائلة:
- لا بأس يا ابني, ولماذا تخجل من عمل والدتك, المهم أن نعيش بكرامة وأن لا نحتاج لأحد, وغداً ستصبح طبيباً مشهوراً إن شاء الله, وستكون أحسن من عادل بألف مرة, هيا قم الآن واغسل وجهك وتعال لنتغذى وفي المساء نذهب إلى بيت أبو عادل لنعتذر منهم فما كان يصح أن تضربه, وغداً سوف اشتري لك ملابس وحذاء جديدين.

طابت نفس أيوب بعدما سمع بأمر الملابس الجديدة, وجلس مع والدته لتناول الطعام، وفي المساء ذهبا إلى بيت أبو عادل واعتذر أيوب لهم.
في صباح اليوم التالي اصطحبته إلى مدرسته حتى تقابل المدير وترجوه أن يصفح عنه. دخلت على المدير وعرفته بنفسها قائلة:
- أنا والدة الطالب أيوب حسين. قال المدير:
- ولماذا لم يحضر والده. قالت :
- إن والده متوفى, وهي تعيش مع ابنها الوحيد منذ وفاة والده. قال المدير:
- هل يرضيك ما فعله ابنك في المدرسة بالأمس يا أم أيوب؟ قالت:
- لا ... لا يرضيني، وقد سويت المسألة مع أهل عادل وجعلت أيوب يعتذر لهم على تصرفه، وأعدك أن لا يعود لفعلته هذه مرة ثانية، ولكني أرجوك يا حضرة المدير أن تنبه عادل ورفاقه بأن لا يعاودوا استهزاءهم بابني ومعايرته بوالدته وبفقره. قال المدير باستغراب:
- لماذا تقولين ذلك؟
فقصت عليه ما سمعته من ابنها. قال المدير وقد بدى عليه التأثر:
- حسناً يا أم أيوب، سوف أصفح عن ابنك هذه المرة إكراما لك، ويشفع له عندي أيضاً تفوقه في دروسه.

عادت أم أيوب إلى عملها في السوق مرتاحة النفس، سيما أن مدير المدرسة طمأنها بأنه سوف لن يسمح بتكرار مثل هذا التصرف من عادل ورفاقه، أما أيوب فقد بقيت هذه الحادثة محفورة في ذاكرته ولن ينساها طيلة حياته.
زادت طلبات أيوب، وزادت مصاريفه، من أثمان كتب ودفاتر وملابس، ولا يكاد يمر يوم حتى يفاجئها بطلب جديد، فمرة يريد أن يذهب في رحلة مع المدرسة، ومرة يريد ملابس جديدة للعيد، ومرة يريد أن يشتري معطفاً للشتاء، وهي تجيب طلباته دائماً، ولم يعد ما تحصل عليه من جراء عملها في السوق يكفي لطلباته التي لا تنتهي، وزادت حاجتها للمال، وخطرت لها فكرة في ذهنها، وهي أن تقوم بتطريز الأثواب بالحرير لنساء المخيم؟! وستقوم بذلك في الليل، وقد علمتها خالتها التطريز عندما كانت تعيش معها قبل أن تتزوج من أبي أيوب وقد برعت في هذا المجال.
أفصحت برغبتها لإحدى جاراتها التي شجعتها وقالت لها بأنها ستكون هي أولى الزبائن عندها، وطلبت منها أن تطرز لها ثوباً لتلبسه في عرس ابنها، وإذا كان متقناً كما تقول، فإن ذلك سيكون بمثابة دعاية لها بين نساء المخيم.
أخذت أم أيوب تعمل في تطريز الثوب بكل جد واجتهاد، وقبل الزفاف بعدة أيام كانت قد أنهت الثوب، وسلمته لجارتها التي لم تصدق عينها هذا الإتقان وهذا التطريز الجميل، فقد أصبح الثوب وكأنه قطعة فنية.
ومنذ ذلك اليوم، توالت عليها الطلبات من نساء المخيم، وقد وفر لها هذا العمل مالأ إضافياً، مع الناتج التي تحصل عليه من البيع في السوق.

دخلت سعاد على أم أيوب ومعها وجبة الغداء، وما أن رأتها حتى بادرتها بالسؤال:
- ألم تعاودوا الاتصال مع أيوب؟ قالت سعاد وهي تحاول أن تتجنب النظر إليها مباشرة حتى لا تفصح عينيها كذبها:
- إن المدير خرج اليوم إلى اجتماع هام خارج الدار، ولن يعود قبل صباح الغد، وسوف أخبره بأن يعاود الاتصال مع الدكتور أيوب حال عودته في الصباح. قالت:
- أرجو أن يكون قد عاد من سفره بالسلامة ويأتي لزيارتي. أجابت سعاد بأسى:
- إن شاء الله ... إن شاء الله .
ساعدتها على تناول غذائها وأعطتها الدواء وانصرفت.

عادت أم أيوب إلى وحدتها، وشوقها لرؤية ابنها الوحيد قد ملك عليها كلَّ جوارحها، فهي لا تطلب سوى أن تراه قبل أن تموت، وعادت مرة أخرى إلى ذكرياتها التي لم يعد لها سواها تؤنس عليها وحدتها.

ها هو أيوب منكّب على دراسته بكل جد واجتهاد، مواصلاً الليل بالنهار تمهيداً لتقديم امتحانات الثانوية العامة، وهي تسهر بقربه تعمل في تطريز أحد الأثواب ولسانها لا يكف عن الدعاء له بالنجاح، ويكمل دراسته ليصبح طبيباً ويريحها من هذا العناء.
أما أيوب فإن اجتهاده وتفوقه طيلة سنوات دراسته، لم يكن بالنسبة إليه سوى وسيلته الوحيدة التي ستخرجه من عيشة الفقر والعذاب في المخيم، وإن تفوق سيساعده بعد ذلك للسفر خارج البلاد لإكمال دراسته الجامعية، وقد وجد في رغبة والدته لتحقيق حلم أبيه بأن يصبح طبيباً طريقاً له للخلاص من هذا الوضع، ولن يتم له ما أراد إلا إذا نجح بتفوق في امتحانات الثانوية العامة، ليحصل بعثة دراسية هلى حساب الحكومة فأخذ يضاعف من جهده لتحقيق هذا الهدف.

أعلنت النتائج، ونجح أيوب بتفوق، حيث كان ترتيبه من العشرة الأوائل، وكم كانت فرحته وفرحة أمه بهذا النجاح، ودخل الفرح إلى بيت أم أيوب وقلبها بعد أن كادت تنسى طعم الفرح.
تقدم أيوب بأوراقه لوزارة التعليم العالي للحصول على بعثة لدراسة الطب، فحصل بتفوقه على معقد لدراسة الطب في إنجلترا، وإن بعثته سوف توفر له نفقات الرسوم الجامعية والكتب، إضافة إلى مبلغ بسيط من المال لمصروفه الشخصي، وسوف يسكن مع طلاب القسم الداخلي في نفس الجامعة، على أن يلتزم بالخدمة في مستشفيات وزارة الصحة عند تخرجه، فوافق دون تردد.
حان وقت سفره إلى إنجلترا وكان قد جهز أوراقه، واشترت له والدته تذكرة السفر، وقبل سفره بيوم جلس مع والدته وقد أخذا يحتسيان الشاي بعد أن تناولا عشاءهما البسيط.

قالت له والدته وهي تحاول أن تغالب الدموع في عينيها:
- كم يعز علي يا ابني أن تسافر وتتركني وحيدة، ولكن عزائي الوحيد لغيابك هو أنك ذاهب لتحقيق حلم والدك رحمه الله. قال:
- إن غيابي لن يستغرق أكثر من خمس سنوات وسأرجع. قالت:
- وكيف سأصبر طيلة هذه المدة دون أن أراك؟ وانهمرت الدموع من عينيها.
قال بخبث وهو يحاول أن يضع حداً لدموعها التي تنغص عليه فرحته بالسفر:
- إذا كان سفري يضايقك فلن أسافر وسأذهب من الصباح للبحث عن عمل. قالت:
- لا...لا يا ابني بل سافر وأكمل دراستك وعد إلي وقد أصبحت طبيباً لأفاخر بك الدنيا. قال:
- إذاً أرجوك أن تكفي عن البكاء. قالت:
- حسناً، ومسحت دموعها وقامت إلى غرفتها وعادت بعد قليل حاملة بيدها مبلغاً من المال أعطته إياه قائلة:
- ربما تحتاج إليه عند وصولك إلى إنجلترا.
أخذه منها ووضعه في جيبه دون أن يقدم لها عبارة شكراً، مع علمه بأن مثل هذا المبلغ لم تدخره والدته بسهولة، أما هي فلم تكن تنتظر منه الشكر، فقد تعودت أن تعطيه دون مقابل وكل ما كان يهمها هو أن يكون سعيداً. قالت:
- لا تنسَ أن تبعث لي برسالة حال وصولك بالسلامة على مركز البريد في المخيم، ولا تقاطعني بالمراسلة. أجابها:
- إن شاء الله, واستأذن بأنه سوف ينام مبكرا, لأن لديه سفر طويل غداً.

ذهب أيوب إلى فراشه, وأحلامه بالسفر تداعب خياله, غير مصدق بأنه سوف يسافر أخيراً, وبقي يتخيل بينه وبين نفسه كيف ستكون هذه البلاد التي سيسافر إليها, فهو لا يعرف شيئاً عنها سوى ما تعلمه في المدرسة، وبقي في أحلامه حتى غلبه النوم.

أما والدته فلم يغمض لها جفن، وهي ترى ابنها الوحيد سيفارقها كل هذه المدة, وانهمرت دموعها في صمت، وبقيت على هذا الحال حتى حان وقت أذان الفجر, فقامت وصلت الفجر، وأخذت تدعو ما شاء الله لها أن تدعو بأن يلهمها الصبر وأن يعيد إليها ابنها سالماً.

حان وقت السفر فودعها على باب البيت ودموعها لم تنقطع, وحمل حقيبته وغادر, وبقيت تراقبه حتى حجبته عن عينيها أزقة المخيم، وأحست بأن قلبها قد انخلع وسافر في إثره.

وصل أيوب إلى إنجلترا، ولم ينسَ بأن يبعث برسالة إلى والدته ليخبرها بوصوله سالماً وبعد أن قدم أوراقه إلى الجامعة بأيام قليلة، بدأت الدراسة للسنة التحضيرية.
وأقبل أيوب على الدراسة بكل اجتهاد ونشاط, فكان يبدأ دراسته في الصباح متنقلاً بين كليات الجامعة المختلفة ومكتبتها, ويعود في المساء إلى السكن في الجامعة، فيتناول طعامه وينكب على الدراسة.

مرت سنته الدراسية الأولى وهو على هذه الحال, ولم يكن ينغص عليه شيء، سوى قلة المال الذي بين يديه، والإزعاج المستمر من زملائه الذين يشاركونه السكن, فهو لم يرتح لهذه الأجواء، فقد كان السكن خليطاً من طلاب من جنسيات مختلفة, وكثيراً ما كان يختلف معهم عندما كان يطلب منهم بعض الهدوء لأنه يريد أن يدرس، أما هم فكانوا يقضون الليل ما بين رقص وشرب حتى وقت متأخر.
ولم يكن من سبيل للخروج من هذا الوضع سوى أن يسكن لوحده, وهذا يتطلب مالاً إضافياً ... ومخصصاته من البعثة لا تكفي ... فقرر أن يطلب المال من والدته.
أرسل لها رسالة شارحاً لها حاجته للمال، وأخبرها عن ظروفه داخل السكن، وبأن مثل هذه الأجواء سوف تؤثر في تحصيله الدراسي.
وما هي إلا أيام حتى وصلت له رسالة من والدته وبها حوالة مالية, وقد ذكرت في رسالتها بأنها سوف ترسل له هذا المبلغ شهرياً، وأن هذا المبلغ هو الذي تستطيع أن توفره له, طالبة منه أن يتدبر به أمره وأن لا يدع شيئاً يؤثر في دراسته.
أجرى أيوب حساباته, فوجد بان المبلغ الذي أرسلته والدته لا يكفي لإيجار سكن مستقل, إضافة إلى أنه يحتاج إلى أثاث، فقرر أن يسكن مع إحدى العائلات، فهنالك طلاب يدرسون معه في الجامعة يسكنون مع عائلات, حيث ستكون التكلفة أقل, ولن يكون بحاجة لأثاث أو شراء طعام, فالمبلغ الذي سيدفعه لهذه العائلة سيشمل الإقامة والطعام.

اشترى جريدة وأخذ يبحث عن الإعلانات المتعلقة بهذا الموضوع فوجد ضالته في إحدى الإعلانات لعائلة تعرض سكناً معها، وكان المكان في إحدى ضواحي لندن, فقدر بأن الإيجار لا بد وأن يكون أقل مما لو كان في نفس لندن.
اتصل برقم الهاتف المذكور في الإعلان وحصل على العنوان, في اليوم التالي ذهب إلى العنوان، وما أن وصل إلى هنالك وشاهد المنزل حتى سر سروراً عظيماً, فقد كان بيتاً جميلاً, وأمامه حديقة صغيرة مزروعة بالأزهار والأشجار, ولا يدري لماذا قفزت إلى ذهنه في هذه اللحظة صورة البيوت في المخيم, فطرد هذا الخاطر سريعاً, فهو لا يريد أن يذكره أي شيء بالمخيم والعيشة فيه، وهو قد خرج منه وصمم بينه وبين نفسه بأن لا يعود إلى ذلك المكان مهما كانت الظروف.
قرع الجرس، ففتحت الباب امرأة تبدو في عقدها الرابع، ممتلئة قليلاً، وتضع على عينيها نظارة طبية، حيّاها فسألته بلطف عن حاجته, فعرّفها بنفسه وأضاف قائلاً: بأنه جاء بخصوص الإعلان في الجريدة.
أدخلته وأجلسته على أحد المقاعد في الصالة وجلست في مقعد قريباً منه, وعرّفته بنفسها بدورها قائلاً بأن اسمها (ماري)، وأنها تسكن في هذا البيت مع زوجها وابنتهم الوحيدة (كريستين), وأخذت تسأله عن جنسيته وعن طبيعة دراسته, فأخبرها بأنه يدرس الطب في جامعة لندن, وأنه سيبدأ سنته الدراسية الثانية بعد أسبوعين, واخبرها عن ظروفه وعن عائلته، وقد أجاب على أسئلتها بدون أي تحفظ, فقد كان يعرف بأن الإنجليز يحبون أن يبحثوا في التفاصيل.
عندما انتهت من أسئلتها الكثيرة, أجابت بأنها شخصياً ليس لديها أي مانع من سكنه معهم وسوف تخبر زوجها عند عودته من عمله وطلبت إليه أن يعاود الاتصال بهم في المساء.

خرج من عندها بعد أن حيّاها بأدب, وهو يتمنى أن يوافقوا على سكنه معهم, فالبيت جميل, والمنطقة هادئة, ولن يستغرقه الوصول إلى الجامعة سوى الركوب في القطار لمدة ربع ساعة.
في المساء عاود الاتصال بهم مرة ثانية فرد عليه صوت رجل، قدر بأنه لا بد وأن يكون صاحب البيت, عرفه على نفسه وأخبره بأنه يسأل بخصوص موضوع السكن، فأجابه من الطرف الآخر بأنه سوف يكون غداً في البيت، حيث أن غداً عطلة نهاية الأسبوع وحدد له موعداً لمقابلته, قائلاً: بأنه يريد أن يتعرف بالشخص الذي سيشاركه السكن مع عائلته، قبل أن يتخذ قراره بالموافقة.

في اليوم التالي ذهب في الموعد الذي المحدد، وعندما وصل إلى البيت وجد صاحب البيت بانتظاره فصافحه ورحب به ودعاه للدخول، وقد حضرت زوجته وابنته، فعرفه بهن, فسلم أيوب عليهن وجلس، وابتدأ صاحب البيت الحديث قائلاً: بان اسمه إدوارد، وهو يعمل في مصلحة الهاتف في لندن، وان سبب إعلانه في الجريدة عن تأجير إحدى غرف المنزل، هو أن ابنته (كريستين) سوف تدخل الجامعة هذا العام، ويحتاج إلى مال إضافي لتسديد نفقات دراستها, ثم شرع في طرح الأسئلة معيداً نفس الأسئلة التي طرحتها عليه زوجته في اليوم السابق وهو يجيبه.
عندما انتهى من طرح أسئلته، أبدى موافقته وحدد له الإيجار الشهري الذي سيدفعه، وشروط إقامته وأنه يستطيع أن يأتي للسكن معهم مع بداية الشهر، أي بعد أسبوع، وسيكونون عندها قد انتهوا من تحضير الغرفة التي سيسكنها, فودعهم وانصرف وهو لا يصدق نفسه, فالإيجار الذي طلبه سيتناسب مع المبلغ الذي وعدته والدته بأن ترسله له كل شهر إذا ما اقتصد قليلاً في المصروف.

عاد أيوب إلى دراسته في الجامعة بعدما استقرت به الحال مع هذه العائلة، وقد أحس بأنه قد أصبح جزءاً منها, وساعدته الأجواء الملائمة في السكن أن يضاعف من اجتهاده في الدراسة, ولفت تفوقه ودرجاته الممتازة انتباه أساتذته في الجامعة وكذلك إدارة الجامعة, وما أن انتهى من تقديم امتحانات السنة النهائية, حتى طلبه رئيس الجامعة ليخبره بأن إدارة الجامعة قد اعتادت على تقديم منحة للطلاب المتفوقين, وأن اسمه ضمن هذه اللائحة، وأنه يستطيع في حال موافقته أن يحدد الاختصاص الذي يريده, فوجدها فرصة للتخصص في جراحة القلب التي طالما كان يتمناها, فخاطب وزارة التعليم العالي وأخبرهم عن العرض الذي قدمته له الجامعة، وما هي إلا أيام حتى جاءه الرد بالموافقة, حيث كانت مستشفيات وزارة الصحة حينها بحاجة ماسّة إلى أطباء مختصين في جراحة القلب, مذكرين بالالتزام المترتب عليه لقاء بعثته حال عودته، للعمل في مستشفيات وزارة الصحة .
وهاهو يبدأ مرحلة جديدة من الدراسة, متنقلاً ما بين الجامعة والمستشفى التعليمي الملحق بها, وكان ما زال يسكن مع إدوارد وزوجته وابنته الذين شاركوه الفرح بتخرجه وقبوله في منحة الجامعة للتخصص في جراحة القلب, وقد صادف ذلك مع نجاح كريستين التي كانت تدرس الفنون الجميلة في نفس الجامعة, والتي كانت قد نشأت بينها وبين أيوب علاقة حب والتي لم يعترض عليها والدا كريستين بعدما وجدا في أيوب مثالاً للاجتهاد والمثابرة. وتزوجا وهو في سنته النهائية في دراسة الاختصاص وبقيا يسكنان كزوجين مع والديّ كريستين.

أنهى أيوب دراسته في الاختصاص بتفوق, وتعلم أحدث الطرق في جراحة القلب على يد أمهر الأطباء في إنجلترا، والذين كانوا يشركونه في العمليات التي كانت تُجرى في المستشفى التعليمي وفي غيره من المستشفيات، وأرسل يخبر والدته بموعد وصوله, دون أن يخبرها بأمر زواجه.

وصلت رسالته، ولم تصدق أم أيوب بأن ابنها سوف يعود بعد شهر, فعادت تطلب من ابن الجيران إعادة قراءة الرسالة مرة ثانية وثالثة, وعندما تأكدت من موعد عودته لم تسعها الدنيا من الفرح, وأخذت تعد الأيام والليالي بفارغ الصبر، فسوف ترى ابنها بعد كل هذه السنوات, ويعلم الله كم عانت وهي تواصل الليل بالنهار في العمل، حتى توفر له المال الذي يعينه على دراسته, ولم تعد تقوى على احتمال الوحدة أكثر من ذلك, فقد كانت طيلة هذه السنوات تعيش وحيدة بانتظار اليوم الذي سيصل فيه أيوب, فخالتها التي كانت تؤنس وحدتها قد توفيت بعد سفر أيوب بسنة, أما ابنة خالتها ورفيقة صباها ختام, فبعد أن تزوجت وسافرت مع زوجها وقد كان عمر أيوب حينها ستة أشهر لم ترها ثانية إلا عندما توفيت والدتها، ولم تمكث سوى بضعة أيام ثم عادت إلى عائلتها في ألمانيا.

عاد أيوب برفقه زوجته كريستين وما أن وصل، حتى استأجر غرفة في إحدى الفنادق ونزل بها مع زوجته, وبعد أن استراح من السفر ترك زوجته في الفندق وذهب لرؤية والدته في المخيم.

بمجرد أن وصل إلى المخيم حتى عادت إليه ذكريات عيشة الفقر والبؤس التي كان يعيشها في المخيم، والتي كان يحاول أن ينساها طيلة وجوده في إنجلترا، وأخذ يسير في أزقة المخيم باتجاه بيت والدته, فها هي البيوت على حالها لم يطرأ عليها أي تغيير, والبؤس ما زال مرسوماًَ على وجوه الناس الذين قابلوه في الطريق, كل شيء على حاله, فقط الشيء الوحيد الذي تغير هر ازدحام المخيم بالبشر.

وصل إلى بيت والدته, وما أن رأته بالباب حتى قامت إليه تعانقه ووتتحسس وجهه وشعره غير مصدقة عينيها, فقد كان شاباً صغيراً عندما سافر, وها هو قد أصبح رجلاً وقد تغيرت ملامحه قليلاً، سيما وهو يضع النظارة الطبية على عينيه التي أتعبهما في السهر والدراسة, فعادت تقبله ودموع الفرح في عينيها لم تنقطع, ولأول مرة في حياتها أطلقت زغرودة من بين دموعها أسمعت الجيران، فأتوا على أثرها للسلام على الدكتور أيوب وأخذت توزع عليهم الحلوى، وهي في سعادة نسيت معها كل سنوات شقائها، ثم طلبت من أحد الجيران أن يذبح الخروف الذي كانت قد اشترته خصيصاً لوصول ابنها سالماً غانماً.
أما أيوب فقد كان في هذه الأثناء جالساً ينظر بقلق إلى ساعته بين الفينة والأخرى، متسائلاً متى ينتهي كل هذا؟؟ فهو يريد أن يعود إلى زوجته في الفندق، فهو لم يخبرها بأنه ذاهب إلى المخيم لزيارة أمه، فهي لا تعرف أصلاً بأن أمه على قيد الحياة، وإنما برر خروجه بأنه يريد أن يراجع وزارة التعليم العالي بخصوص البعثة.

غادر المهنئون، فجلست أم أيوب مع ابنها، وأخذت تطلب منه أن يحدثها عن حاله، وكيف كان يعيش في بلاد الغربة، وأخذ يجيب باقتضاب، فلم يعجبها ذلك سيما وأنه أخذ ينظر إلى ساعته، ثم تذكرت بأنه قد عاد إليها بدون حقائبه فقالت متسائلة:
- أين حقائبك؟ .. فأنا لم أرَك تحمل أي حقائب عند وصولك؟ قال بتردد وهو يحاول أن يتجنب النظر إليها:
- إنها في الفندق. قالت بدهشة:
- في الفندق !! أي فندق؟ قال:
- في الفندق الذي أنزل فيه .
تحولت دهشتها إلى قلق وعادت تسأله:
- لماذا تنزل في الفندق وبيتك موجود؟!
قال بأنه لا يستطيع أن يعيش في هذا البيت، وأنه الآن متزوج ولن يعيش مع زوجته في المخيم.

لطمت والدته خدها بيدها بعد الذي سمعته، ولم تصدق ما سمعت وظنت بأنها في حلم، ولكن ها هو ابنها أمامها وينظر إليها بعينين قاسيتين تؤكد سماع ما سمعت، فصاحت بانفعال:
- كيف تتزوج دون علمي؟ وأنا التي كنت أعد الأيام والليالي لعودتك حتى أفرح بك وبزواجك، ومن هي التي أحضرتها معك وتقول بأنك تزوجتها؟ ومتى تزوجتها؟ قال:
- إنها إنجليزية وقد تزوجتها قبل عام. قالت:
- وإنجليزية أيضاً ؟! ألم يكن الإنجليز سبباً في هذا التشرد الذي نحن فيه؟ أليس هم الذين ساعدوا اليهود بالمال والعتاد ليحتلوا أرضنا. قال:
- إن هذا الكلام قد عفي عليه الزمن، ثم إنها لا هي ولا والديها كانوا عسكريين أو سياسيين، وإنما هم من عامة الشعب، وليس لهم أي ذنب فيما حصل. قالت وهي تهز رأسها بأسى:
- صحيح أنك عدت، ولكنك ليس أيوب الذي كنت أنتظر عودته بفارغ الصبر، عدت إلي وأنت إنسان آخر. قال:
- أنا لم أتغير، ولكنك أنت التي ما زلت تعيشين بالماضي. قالت:
- من ينسى ماضيه فلا مستقبل له. قال وهو يحاول أن ينهي النقاش:
- على كل حال هذا الذي حصل، وكل الكلام لا يغير شيئاً من الواقع، ثم نهض واقفاً استعداداً للرحيل قائلاً إن زوجته تنتظره في الفندق ولا يريد أن يتأخر عنها.
وعندما وصل إلى الباب التفت إلى والدته وقال دون حماس:
- عندما أستلم العمل في وزارة الصحة وأستأجر بيتاً، يمكن أن تقيمي معنا بدلاًَ من عيشتك في هذا المخيم. قالت له:
- لن أخرج من بيتي إلى أي مكان، ولن أعيش معك ومع زوجتك الإنجليزية التي أحضرتها معك، وأفضل أن أبقى في بيتي وبين أهل المخيم الذين أعتبرهم بمثابة أهلي.
- كما تشائين (قالها دون اكتراث) وخرج.

بعد أن خرج وتركها لوحدها، أخذت تحدث نفسها وهي تتذكر حديث ابنها الذي نغص عليها فرحتها وأحست بخيبة أمل، وبأنها قد خسرت كل أحلامها وخسرت ابنها أيضاً، وأن كل سنوات انتظارها وكدها وتعبها قد ضاعت سدى.
ولكنها عادت تقول وقد غلبها حنان الأم على كل حال هو الآن قد عاد، وأنها تستطيع على الأقل أن تراه، وأنه يمكن أن يزورها في أي وقت.

خرج أيوب من بيت والدته، وهو يفكر في كلام والدته عن مساعدة الإنجليز لليهود عند احتلالهم لفلسطين، وتذكر حواراً دار بينه وبين إدوارد والد كرستين أثناء وجوده في إنجلترا، فقد قال أيوب وقتها لإدوارد بأن الإنجليز قد ساعدوا اليهود على احتلال فلسطين وقد ساعدوهم قبل ذلك من خلال وعد (بلفور) الذي منحوهم إياه، وهم بذلك قد أعطوا ما لا يملكون لمن لا يستحقون، فقال إدوارد حينها إن ذلك تم منذ زمن بعيد، وقد قرره رجال السياسة وليس بالضرورة أن جميع الشعب يوافق على ذلك، وأضاف أنه شخصياً لا يوافق على كثير من السياسات الحكومية على سبيل المثال، ولم يكن هو عسكرياً أو سياسياً في يوم من الأيام، وبالتالي لا يتحمل نتائج هذه السياسات، وتذكر كيف أنه قد أجاب والدته بنفس الإجابة التي سمعها من إدوارد.

استلم أيوب عمله في إحدى المستشفيات، وما هي إلا أشهر قليلة حتى ذاع صيته بما يملكه من خبرة ومهارة وتقنية حديثة في جراحة القلب، وقام بالعديد من العمليات الجراحية الناجحة، وكتبت الجرائد والمجلات عن نجاحه، هذه الشهرة وهذا الإقبال من المرضى، جعله يفكر في أن يؤسس عيادة خاصة به ليستقبل فيها مرضاه بعد دوامه في المستشفى، وقد كان له ما أراد، وأصبح يذهب إلى المستشفى في الصباح، ويعود إلى عيادته بعد انتهاء الدوام في المستشفى، زادت شهرته بعد افتتاح عيادته وزاد عدد مرضاه وأصبح يأتيه مرضى من الدول المجاورة، وأخذت أوضاعه المالية بالتحسن، فقرر أن يترك العمل في المستشفى وأن يتفرغ للعمل في عيادته، خاصة أن الراتب الذي يتقاضاه من المستشفى قليل مقارنة بعمله في العيادة، وسوف يدفع المبلغ المترتب عليه لقاء بعثته، وحصل على الموافقة بعد أن وعد بأن يقوم بإجراء العمليات في مستشفيات وزارة الصحة إذا احتاجوه.
طيلة هذه المدة لم يذهب لزيارة والدته، بعد زيارته الأولى عندما عاد من السفر، وفي أحد الأيام قرر أن يذهب إليها ليسألها عن حاجتها.
عندما وصل إلى بيتها في المخيم لم يجدها في البيت، فذهب إليها في السوق، ووجدها تجلس في المكان الذي تعودت أن تبيع فيه حزم الفجل والنعناع والبقدونس، عندما لمحته تعمدت أن تتجاهله بانشغالها مع الزبائن، وقف بقربها وطرح عليها السلام فلم ترد عليه متظاهرة بعدم سماعه، فطلب منها برجاء وهو يتلفت حوله أن يذهبا إلى البيت، قامت معه دون أن تكلمه حتى وصلا إلى بيتها فقال لها بلهجة اعتذار:
- أنا أعرف بأنك غاضبة مني لعدم زيارتك، ولكنني كنت مشغولاً في العمل. قالت:
- أي عمل هذا الذي ينسيك أمك طيلة هذه المدة؟ ألم تفكر بي ولو للحظة؟ ألم تسأل نفسك مرة واحدة على الأقل فيما لو كنت ميتة أو على قيد الحياة؟ على كل حال أنا عودت نفسي على أنك مسافر، فليس هنالك أي فرق بين وجودك هنا أو سفرك.
أخذ يعتذر منها ويطلب أن تسامحه، ووعدها بأن لا ينقطع عن زيارتها في المستقبل لم تجد أمامها سوى أن تصدقه قائلة:
- سأصدقك هذه المرة، ولكن إذا أطلت غيبتك عني فلن أكلمك ثانية.

أخرج مبلغاً من جيبه وناولها إياه، وقال أنه سوف يعطيها هذا المبلغ وأكثر منه إذا أرادت كل شهر، وأخذ يرجوها أن لا تعود الى جلستها في السوق. فقالت:
- لماذا ؟؟ إنني لا أقوم بعمل فيه ما يعيب، ثم إن هذا العمل هو الذي كان يوفر المال الذي كنت أرسله لك لتكمل دراستك. قال بضجر:
- حسناً، لقد كان ذلك عندما كنا محتاجين للمال، وسأعطيك من المال ،أضعاف ما تحصلين عليه من البيع في السوق، ولكن أرجوك أن تتوقفي عن الذهاب للسوق.
لم تجد بداً من أن ترضخ لطلبه، وهي قد تعبت فعلاً من العمل وحان الأوان لها لترتاح.
فقالت:
- سوف أحقق لك رغبتك، ولكن على شرط أن لا تنقطع عن زيارتي، وأجابها موافقاً، واستأذنها بالانصراف، وعندما رجته أن يبقى حتى يتغذيان سوياً، قال بأن زوجته بانتظاره ويجب أن يعود إلى عيادته.
ومرت الأيام وقد رزق أيوب خلالها بابن، وشهرته قد شاعت بعدما قام بأول عملية لزراعة القلب في الشرق الأوسط.
أما أم أيوب فقد كانت تعيش وحيدة، ولا يقطع عليها وحدتها سوى أيوب الذي كان يزورها كل شهرين أو ثلاثة أشهر، ويعطيها المال الذي تحتاجه ولا يبقى عندها أكثر من عشر دقائق أو ربع ساعة.

ساءت صحة أم أيوب خلال هذه المدة وأصيبت بمرض ارتفاع السكر بالدم، وألم في المفاصل، وأصبح أيوب يحضر لها الأدوية التي تحتاجها في المرات القليلة التي كان يزورها فيها، إلا أن صحتها قد أخذت بالتراجع، مما استدعى الجيران أن يتصلوا بأيوب عندما أصيبت بنوبة إغماء نتيجة لارتفاع السكر.
فأدخلت إلى المستشفى، ولتخرج منه بعد أن تعافت لتجد نفسها في دار رعاية المسنين، بعدما قرر الأطباء بأنها تحتاج إلى أحد يرعاها بشكل مستمر.


غابت سعاد عن الدار في إجازة لمدة أسبوع؛ حيث كانت مشغولة في ترتيب بيتها الجديد الذي دلته عليها زميلتها علياء، وقد كان عبارة عن شقة صغيرة قريبة من بيت علياء، ولا يسكن في نفس البناية سوى صاحب البناية وزوجته، واستقرت أخيراً في بيت خاص بها وارتاحت بذلك من تحكم عمها وزوجته، ولم تنسَ أن تشكر من كل قلبها مدير الدار، الذي وقف إلى جانبها عندما حضر عمها إلى الدار بعد قراءة رسالتها، وأخذ يهددها قائلاً بأنه سوف يعيدها إلى البيت بالقوة، فما كان من مدير الدار إلا أن قام باستدعاء رجال الأمن الذين أوقفوا عمها، ولم يفرجوا عنه إلا بعد أن وقع على تعهد بأن لا يتعرض لها مرة أخرى.

عندما عادت سعاد للعمل بعد انتهاء إجازتها، وجدت أن حالة أم أيوب الصحية قد ساءت لدرجة خطيرة، مما استدعى من إدارة الدار الاتصال مع ابنها وإخباره بحالتها، مؤكّدين عليه بضرورة زيارتها، إلا أنه كالعادة لم يحضر.

في المساء دخلت سعاد على أم أيوب فوجدتها مستلقية على سريرها، وعندما رأتها قالت:
- هل اتصلتم مع أيوب ؟؟
- لم تجبها سعاد على سؤالها وهي تشعر بالأسى نحوها، وقد ساعدتها لتجلس في السرير حتى تعطيها الدواء، وعندما همت بالخروج قالت لها:
- أريد منك أن تقدمي لي معروفاً، قالت سعاد:
- حاضر، ولكن ما هو المعروف الذي تطلبينه. قالت:
- أريد منك أن تكتبي لي رسالة. قالت سعاد:
- ولمن تريدين أن اكتبها. قالت:
- إنها لأيوب، وأريدك أن تعطيها إياه عندما أموت. قالت سعاد:
- سلامتك ... قالت:
- إنني أشعر أنني سوف أموت، فأرجوك أحضري ورقة وقلماً بسرعة.
أحضرت سعاد الورقة والقلم وأخذت تكتب وأم أيوب، تملي عليها والدموع تنهال غزيرة من عينيها، وبعد أن انتهت، طلبت منها مرة ثانية أن تحتفظ بالرسالة وتسلمها للدكتور أيوب عند وفاتها.

تركتها سعاد وما أن خرجت من عندها حتى انفجرت بالبكاء، فقد كانت تحبس دمعها حتى لا تزيد من أحزان أم أيوب، وتقول بينها وبين نفسها ما الذي حصل للناس؟ وكيف قست قلوبهم حتى على أقرب الناس إليهم؟؟ وامتزجت أحزانها مع أحزان أم أيوب، حيث إن ما جمع بينها هو ظلم ذوي القربى وقسوة الزمن الذي لا يرحم .

أما أم أيوب فقد ساءت صحتها في تلك الليلة، فقامت إدارة الدار باستدعاء طبيب لمعاينتها، فوجدها قد وصلت إلى حالة ميئوس منها، وأن نقلها إلى المستشفى لا يفيد حيث لم يبقَ لها سوى ساعات وتموت.
مع بزوغ الفجر كان نفَسَها قد أصبح بطيئاً، مدت يدها إلى سعاد التي بقيت إلى جانبها طيلة الليل، فأمسكت بيدها وشخصت ببصرها وانقطع النفس. وصعدت روحها إلى بارئها مع صوت المؤذن يؤذن للفجر.

في الصباح الباكر، اتصل مدير الدار بالدكتور أيوب يخبره بوفاة والدته، وأنه يتعين عليه أن يأتي لاستلام جثمانها ويقوم بإجراءات دفنها، وكانت المفاجأة التي صعقت مدير الدار وجميع من في الدار وخاصة سعاد، عندما طلب الدكتور أيوب من إدارة الدار بأن يقووا بإجراءات دفنها، حيث إنه سيسافر بعد ساعتين لحضور مؤتمر طبي هام في باريس، ولا يستطيع أن يلغي سفره، وأنه سوف يرسل إليهم المال اللازم لذلك.

عاد مدير الدار والعاملون من مراسم الدفن، وكانوا قد صحبوا معهم عدداً من المقيمين في الدار ممن مكنتهم ظروفهم الصحية من المشاركة، وقد بدى عليهم الأسى والحزن البالغ، فقد كانت أم أيوب أم الجميع كما كانوا يسمونها.

بعد عدة أيام، اتصلت سعاد بعيادة الدكتور أيوب لتستفسر عن وصوله، وعندما أخبروها بأنه عاد من السفر، أخذت متعلقات أم أيوب والرسالة التي تركتها معها وذهبت إلى العيادة لتسليمها له حسب وصية أم أيوب قبل وفاتها.
دخلت سعاد إلى غرفته بعد أن أذنت لها السكرتيرة، وما أن رآها، وقد تذكرها من زيارتها السابقة حتى تساءل:
- نعم ... أي خدمة؟ هل أتيت لتطلبي مالاً إضافياً لقاء مصاريف الجنازة؟ .. قالت:
- لا ... بالعكس، فالمال الذي أرسلته كان كفاية وزاد، وتستطيع أن تراجع دار الرعاية لاستلام الفرق. فقال بتعالي:
- يمكن أن تبلغي الإدارة لديكم بان يعتبروا المبلغ تبرعاً للدار. قالت:
- لقد أتيت لكي أسلمك متعلقات والدتك، وأشارت إلى الحقيبة التي كانت تحملها فقال:
- حسنا، دعيها عندك على الأرض. فقالت:
- ولديك عندي أيضاً أمانة من والدتك كانت قد طلبت مني أن أسلمها لك عند وفاتها.
ووضعت مغلفاً أبيض أمامه على المكتب. فقال باستغراب:
- ما هذا؟ قالت:
- رسالة تركتها لك والدتك. قال:
- إن والدتي لا تعرف القراءة والكتابة!! فكيف ستكتب لي رسالة؟ قالت:
- نعم ... صحيح ... فقد كتبتها أنا بخط يدي، وقد كانت هي تملي علي. قال :
- وكيف أضمن بأنك لم تكتبي الرسالة من تلقاء نفسك. قالت:
- عندما تقرأها ستعرف بأنها من والدتك.
فأخذها، وألقاها في حقيبته دونما اكتراث قائلاً:
- حسناً، سوف أرى ... شكراً لك.
تركته سعاد دون أن تلقي عليه تحية الوداع وخرجت.
استاء الدكتور أيوب من زيارة سعاد، وقد أثارت غيظه نظرات الازدراء التي كانت واضحة في عينيها ومن طريقة حديثها.
نادى على السكرتيرة وطلب منها بأن تقوم بإلغاء جميع المواعيد لهذا اليوم، فهو يشعر بالإرهاق ويريد أن يذهب إلى البيت، ولن يعود إلى العيادة، وحمل حقيبته وخرج.

وصل إلى البيت فاستغربت زوجته عودته في هذا الوقت، فقال بأنه يشعر بالإرهاق وأنه ليس على ما يرام، وسيدخل إلى غرفة المكتب ليستريح حتى تنتهي من إعداد الغداء، دخل المكتب وفتح الحقيبة، وبفضول قام بفتح المغلف وأخرج الرسالة منها وأخذ يقرأ:

ولدي الحبيب ...
عندما تقرأ رسالتي أكون قد فارقت هذه الدنيا، وانتقلت إلى جوار ربي، وستكون رحلة العذاب التي عشتها قد انتهت، وسأكون بين يدي رب العالمين، وأنا متأكدة بأن الله لن يضيعني، وسيشملني بعفوه ورحمته، وسيكون أرحم لي من عباده، كيف لا وهو الرحمن الرحيم، والذي لا يظلم عنده أحد، وهو يعلم كم عانيت وتعبت في هذه الدنيا، ولم أُعصِه في يوم من الأيام، واحتملت ما قدره علي بنفس مطمئنة وقلب راضٍ.
ولدي الحبيب ...
كنت أتمنى لو أنك بقربي الآن وأنا أشعر بأن أجلي قد حان، ولكنك بقيت بعيداً عني ونسيتني أعاني من الوحدة، وأنا التي كنت أتعب وأشقى في تربيتك وأعد الأيام والليالي حتى أراك بجانبي في هذه اللحظة، ولكنك آثرت أن تبقى بعيداً ... وانشغلت بنفسك وبحياتك ونسيتني أعاني الوحدة وقلة الحيلة، فكيف هان عليك أن تفعل هذا؟ وكيف تنساني؟ صحيح انك كنت تتحمل مصاريف إقامتي، ولكن ليس المال هو كل شيء ... فمهما أنفقت من مال فلن تعوض شيئاً مما قدمته لك، فقد كنت أعطيك من قلة، بينما تعطيني من سعة، وكنت أربيك وأنا أنتظر اليوم الذي أراك فيه قد كبرت وأصبحت رجلاً، وأنت لا تهتم لأجلي وتنتظر اليوم الذي أموت فيه.

ولدي الحبيب ...
لا أريد من كلامي هذا أن أستعطفك لتأتي لزيارتي ... فكما قلت لك بأنك عندما تقرأ رسالتي سأكون قد فارقت هذه الدنيا ... ولكن لأذكرك بأنك قد قصرت في حقي، وأنا التي حملتك بين أحشائي وأرضعتك من دمي ... وقد نذرت حياتي في سبيل تربيتك وأن أراك تكبر وتصبح رجلاً ناجحاً ... ويعلم الله يا بني كم جعت لتشبع أنت ... وكم لبست رث الثياب لتلبس أنت أجملها ... وكم تحملت البرد لتتدفأ أنت ... وكم سهرت وأنا أصل عمل النهار بالليل لأوفر لك المال الذي تحتاجه ... فلم أبخل عليك يوماً، وكنت أعطيك بكل الحب وبكل الحنان ... وأعد الأيام والليالي لأراك وقد حققت طموحك وأحلام والدك ... وتعود بعد ذلك لتعوضني عن الأيام التي عشتها بالعذاب والتعب. ولكنك نسيتني ولم تفكر سوى بنفسك، وها أنت الآن قد أصبحت أباً، فهل يا ترى فكرت ولو للحظة كيف سيكون حالك لو أن ابنك سيعاملك مثل معاملتك لي؟ بعدما تفني عمرك في تربيته، ثم فجأة ... تراه أصبح بعيداً عنك وقد تنكر لك بعد كل ما قدمته لأجله !! .

ولدي الحبيب ...
أنا لست غاضب منك ... ولم أغضب منك يوماً، وتأكد بأن قلب الأم مهما حصل لا يمكن أن يقسو على الابن، ولكن كل ما أردته من رسالتي هذه هو أن أجعلك تنتبه لنفسك، وأن لا يأخذك حب الدنيا والمال والشهرة من عائلتك وتنسى نفسك، وحتى لا يأتي يوم تندم فيه لا سمح الله.
وفي الختام أسأل الله أن يوفقك إلى سبيل الرشاد ....

والدتك المحبة...


وما أن انتهى من قراءة الرسالة حتى انهالت الدموع من عينيه غزيرة حارة، وتذكر كيف كان يقسو على والدته التي لم يَرَ منها غير كل الحب والحنان، وأن فكرة خروجه من أوضاعه الصعبة التي كان يعيشها أنسته والدته.
وبينما هو على هذه الحالة فإذا بابنه يقف بالباب ويسأله باستغراب عن سبب بكائه.
فقال : أبكي على كنز ضاع مني ولن يعود أبداً.
ذهب الصغير فأخبر والدته بأنه رأى والده يبكي، فحضرت زوجته وسألته عن سبب بكائه فأخبرها بأمر الرسالة وبأمر والدته التي أخفى وجودها عنها.
عندما سمعت منه ذلك لم تصدق، إلا أنه قد أكد لها ذلك وأبدى ندمه وأسفه على ما فعلت يداه، عندها قالت له زوجته بأنه إنسان لا قلب له، وأنها لا تستطيع أن تعيش مع إنسان بلا قلب مثله، ولن تكون في أمان على حياتها أو حياة ابنها معه بعد الآن، وأنها سوف تسافر إلى بلدها مع ابنها لتربيه بعيداً عنه وعن قسوته.
تركته وذهبت تعد حقائبها للسفر وهو مذهولاً لا يدري بماذا يجيب أو ماذا يفعل.
النهايــــــة

المنتصر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-22-2010, 02:02 AM   #2
نجم الشمال
ابوخالد اليماني
مشرف عام
 
الصورة الرمزية نجم الشمال
 

رد: القلوب القاسية بقلم المنتصر

بسم الله ابداء:-

استاذي القدير المنتصر, ما اروع ماخطة قلمك وماصاغته كلماتك من احداث ومن قصة جميلة وشيقة


جاري متابعة كل جديدك


دمت متميزا


مودتي,
عبدالله مهدي الصايدي

التوقيع:
عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
967-734487829

عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط

رائع ذالك الاغتيال
كأن الفتى العربي الذي شنق
الاحتلال بخيط من الجلد
يكره لون الدماء.
كان يعرف أن العراق غريق
ببحر من الدم
لا السيف يجدي مع المعتدين
ولا البندقية
لم يبق الا الحذاء
(( أنين الياسمين )) للشاعرة عائشة المحرابي


نجم الشمال غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى

Preview on Feedage: %D8%A8%D9%88%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86-- Add to My Yahoo! بوابة اليمن  - Add to Google! بوابة اليمن  - Add to AOL! بوابة اليمن  - Add to MSN بوابة اليمن  - Subscribe in NewsGator Online بوابة اليمن  -
Add to Netvibes بوابة اليمن  - Subscribe in Pakeflakes بوابة اليمن  - Subscribe in Bloglines بوابة اليمن  - Add to Alesti RSS Reader بوابة اليمن  - Add to Feedage.com Groups بوابة اليمن  - Add to NewsBurst بوابة اليمن  -
Add to Windows Live بوابة اليمن  - Rojo RSS reader بوابة اليمن  - iPing-it بوابة اليمن  - Add to Feedage RSS Alerts بوابة اليمن  - Add To Fwicki بوابة اليمن  -


Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.