فوضى الصومال أم مؤامرة دولية؟

  [بوابة اليمن]

[2008-11-21 12:34:07]

بوابة اليمن - امين قمورية - 
ما يجري اليوم في خليج عدن والمحيط الهندي في منطقة تمتد على مسافة 6.6 ملايين متر مربع ليس جزءاً من افلام سينمائية عن القرصنة مثل «كابتن هوراشيو هورن بلاور» لغريغوري بيك او «باريتس اوف ذا كاريبيان» لجوني ديب او «كابتن بلاد» لايرول فلين. انها حقيقة يومية بدأت تتزاحم في شأنها الاسئلة وتكثر التكهنات عن الدوافع والاسباب. كيف يتمكن القراصنة الصوماليون من تحدي الوحدات البحرية التي تنشرها الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والهند وحلف شمال الاطلسي وقريباً الاتحاد الاوروبي, وخطف هذا العدد الكبير من السفن التجارية والحصول على فديات مقابل اطلاق معظمها؟

السؤال الابرز هو كيف تمكن القراصة من إقامة «دولتهم» على كل هذه المساحة في ظل عجز واضح للدول الكبرى عن منع هذه الظاهرة حتى يكاد «اسطول» القراصنة يفوق عدد البوارج البحرية المنتشرة في هذه المنطقة من دون فائدة.
المشكلة آخذة في الاتساع ولم تعد مجرد قيام اناس يائسين في الاستيلاء على سفينة وسلبها او تلقي فدية في مقابل الافراج عنها. ولم تعد القرصنة كما تعوّدها العالم في الماضي يرتكبها صيادو سمك عاديون بقوارب بالية يعمدون الى تهديد افراد طواقم السفن الاجنبية التي تتهم بالصيد في المياه الاقليمية الصومالية.
العالم هنا امام ظاهرة خطيرة بدأت تظهر مضاعفاتها في اكثر من اتجاه. فخطف ناقلة النفط السعودية العملاقة «سيريوس ستار» لم يلق الضوء بقوة على القرصنة فقط, بل رأى العالم ان احتجاز مليوني برميل دفعة واحدة قد تسهم في رفع موقت لاسعار النفط المتهاربة في الاسواق الدولية. وهذه شركات الملاحة الدولية تحاول تجنب سلوك قناة السويس حتى لا تتعرض للخطف, مما بدأ يؤثر في عائدات القناة الشريان الحيوي من المحيط الهندي الى البحر الاحمر ومنه الى المتوسط وثم الاطلسي والعكس صحيح.
وكيف تدل تجربة الناقلة السعودية التي اختطفت على مسافة 800 كيلومتر قبالة مرفأ موماسا الكيني في عمق المحيط الهندي ان سلوك السفن التجاربة لطرق التفافية حول رأس الرجاء الصالح لتجنب عبور باب المندب الى البحر الاحمر كي لا تتعرض للقرصنة, قد لا يكون وسيلة مجدية لتفادي القراصنة. وهذا ما يقود الى استنتاج واضح بأن اعمال القرصنة قد تطورت تطوراً لافتاً في الاشهر الاخيرة. وبعض متتبعي هذه الظاهرة يشبهون القراصنة بأنهم باتوا «قوات شبه عسكرية» مجهزين بشكل جيد و«محترفين». لذلك فان سلوك ممر رأس الرجاء الصالح لن يكون الحل السحري للقرصنة فضلاً عن انه يرتب اعباء في الوقت والكلفة المادية على شركات الملاحة فكل سفينة تحتاج الى تأخير ما بين 12 و15 يوما في حين ان تكلفتها اليومية تبلغ ما بين 20 الف دولار و30 الف دولار عن كل يوم.
القادة العسكريون للقطع البحرية المنتشرة الآن في المنطقة يفسرون عجزهم عن مكافحة الظاهرة بعدم القدرة على الوجود في كل مكان من منطقة تمتد بين باكستان وكينيا, وان القراصنة باتوا يعلمون بالعجز الدولي فباتوا اكثر حرية في اصطياد السفن, تشهد على ذلك ارقام اوردها المكتب البحري الدولي. فمنذ مطلع 2008 تعرضت 94 سفينة للهجوم من القراصنة الصوماليين في المحيط الهندي وخليج عدن. وتمكن القراصنة من احتجاز 39 سفينة ولا يزال في ايدي القراصنة حتى الآن في المرافئ الصومالية لا سيما في مرفأ ايل وهارادير 18 سفينة. وتتنوع اهداف القراصنة ما بين اليخوت الفخمة مثل اليخت الفرنسي «لو بونان» والسفينة الاوكرانية «فاينا» التي كانت تنقل شحنة دبابات وانظمة للدفاع الجوي وقاذفات صواريخ مجهولة الوجهة. وفي ايدي القراصنة الآن اكثر من 200 رهينة هم أطقم السفن المحتجزة لديهم.
وامام تعاظم «اسطول» القراصنة الذي ينتظر دفع الفديات من اجل الإفراج, بدا البحث جدياً في الامم المتحدة عن وسائل لمكافحة الظاهرة التي يعزوها البعض الى حال الفوضى التي تغرق فيها الصومال او الى وجود جهات اقليمية تقف وراءها. حتى ان بعض الدول الاقليمية مثل اليمن اتهمت الولايات المتحدة والغرب, برسم خطط القرصنة من اجل تبرير وجود اساطيل اجنبية في خليج عدن والمحيط الهندي, تشكل امتداداً لانتشار الاساطيل الغربية في مياه الخليج والبحر الاحمر.
وبصرف النظر عمن يقف وراء مَنْ, فانه لم يعد في الامكان التغاضي عن قضية بدأت تأخذ طابعاً جيو­استراتيجياً. فهناك 16 الف سفينة تجارية تمر سنوياً في مضيق باب المندب بين خليج عدن والبحر الاحمر. هذا المضيق يعبره ايضاً 30 بالمئة من النفط العالمي. وادراكا لما يمكن ان يترتب عن تنامي هذه الظاهرة ناقش مجلس الأمن القضية الصيف الماضي, وقرر الاتحاد الاوروبي تشكيل قوة بحرية من ادول الاعضاء كي تبدأ اول مهمة من هذا النوع للاتحاد منذ تأسيسه. كما ان روسيا الراغبة في استعادة نفوذها الدولي ارسلت قطعة بحرية الى المنطقة للمشاركة في مكافحة القرصنة.
غير ان العالم ينشغل حتى الآن بالتعاطي مع النتائج من دون الذهاب الى عمق المشكلة التي تتمثل اول ما تتمثل في تحول الصومال الى دولة فاشلة منذ اكثر من عقدين من الزمن. هذا البلد يعيش حرباً اهلية دائمة منذ العام 1991. ولم يستطع التدخل الاميركي في العام 1992 ان ينقذ هذا البلد او ان يعيد اليه السلام. كما كان نصيب الامم المتحدة التي تولت المهمة عن الاميركيين الفشل ايضاً. وظل هذا البلد عرضة لتجاذبات قبلية محلية طاغية, حتى تمكنت المحاكم الاسلامية المرتبطة بتنظيم «القاعدة» من السيطرة على الوضع في العام 2006. وقد بعث سيطرة المحاكم على البلد المخاوف اقليمياً ودولياً وخشيت الولايات المتحدة ان تتحول الصومال ملاذاً آمناً للاسلاميين المتشددين في المنطقة على طريقة نظام «طالبان» في افغانستان, فشجعت اميركا اثيوبيا على غزو الصومال وإطاحة المحاكم. غير ان الاسلاميين الصوماليين أعادوا تجميع صفوفهم تدعمهم في ذلك اريتريا العدو اللدود لاثيوبيا, وها هم يقتربون مجدداً من مقاديشو. اما الحكومة الصومالية الانتقالية التي يعترف بها العالم فانها أظهرت عجزاً عن السيطرة او اثبات وجودها, ويتبين انه من دون وجود القوات الاثيوبية لن تستطيع الحكومة الصومالية الموقتة الصمود يوما في مواجهة خصومها.
وليست حال القرصنة إلا مظهرا من المظاهر التي خلفها عدم وجود دولة مركزية قوية في الصومال, دولة تستطيع فرض سيطرتها على كل اراضيها بحيث لا تبقى نهباً لزعماء القبائل المتناحرين الذين ألفا حياة الفوضى. بل انها باتت تشكل لهم مورداً مهماً بملايين الدولارات التي تدرها عمليات القرصنة. وحبذا لو ان العالم الذي يهب اليوم للتصدي لمشكلة القرصنة كانن قد بادر منذ اعوام الى معالجة المشكلة الصومالية معالجة جذرية وعدم الاكتفاء بمعالجة النتائج الناجمة عن تحول بلد بأكمله الى فوضى عارمة حتى بات لفظ الصوملة يشار به الى دول تعاني حال فوضى وتقرب من الانهيار.
العالم خاف على مصالحه اليوم وعلى موارده, وهو ينادي بضرورة مكافحة القراصنة الصوماليين. لكن ما من حل جذري للظاهرة من دون بناء دولة حقيقية في الصومال. وحتى لو كانت دول مثل الولايات المتحدة واوروبا تستغل تزايد القرصنة كي تزيد وجودها العسكري في المنطقة, فانه لم يكن في استطاعتها فعل ذلك و كان في الصومال دولة. ولذلك من المشكوك فيه حتى لو اجتمعت اساطيل العالم ان تقضي على القرصنة ما دام الصومال غارقاً في الفوضى. يمكن العالم ان يحد من المشكلة لكنه لن يستطيع انهاءها عن طريق استخدام القوة وحده. والامر يتطلب مفهوماً آخر في التعاطي وأفقاً ارحب في المعالجة لن تكون القوة سوى جزء منه فيما المطلوب مد اليد سياسياً واقتصادياً الى كل دول المنطقة وفي مقدمها الصومال كي لا يسلك ابناؤه طريق القرصنة البحر وطريق التشدد في الداخل.
مثل هذه النظرة هي المطلوبة من الغرب وليس الهرع الى ارسال الاساطيل, ومن الافضل لو حملت الاساطيل ما يكفي للصوماليين كي يسدوا به رمقهم ويكفيهم مؤونة البحث عن رزقهم باساليب تسبب ازعاجاً للعالم الذي نسي دولة وشعباً بكامله ولا يستيقظ الا عندما يحس بأن اصابعه تحترق. وكل ما كان يهم اميركا مثلاً في الاعوام الاخيرة ان لا يتحول الصومال ملاذاً لـ«القاعدة», لكنها لم تفعل شيئاً للحؤول دون ذلك سوى استخدام القوة ليتبين بعد ذلك عقم هذا الاسلوب.
واذا كان القراصنة يخطفون اليوم عددا من السفن وهو عمل مستنكر ومدان في اي حال, فان ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش خطفت العالم على مدى ثمانية اعوام باسم «الحرب الكونية على الارهاب». والقرصنة التي تسود المحيط الهندي وخليج عدن ليست ارثاً من الفوضى الصومالية فقط. انها دليل على ظاهرة اكبر هي فشل النظام العالمي الذي حاولت اميركا ان تقيمه في الاعوام الثمانية الاخيرة. وهو في كل الاحوال ليس الفشل الوحيد بالمقارنة مع الانهيار المالي العالمي الذي بدأ في اميركا وتفشى في كل العالم, فضلاً عن الفشل في العراق وفي افغانستان.
والقرصنة تبقى الآن وسيلة للعيش بطرق ملتوية او وسيلة يستغلها من لا يزال يفكر في ان الاساطيل يمكن ان تحرس مصالحه, وفي كلا الحالين العالم امام مشكلة.

* عن مجلة الكفاح العربي


لكتابة تعقيبك على الموضوع أضغط هنــا

مواضيع أخرى متعلقة بـ أخبـــار
· التاريخ Mar/12/2010 م



  • التعـقيبـات :-


  •  

     

    حصل على نسبة :0

      من مجموع المقيّمين : 0

    برمجة وتصميم :/ عبدالسلام محمد ردمان الزرقة
    البريد الأليكتروني : Slm_z@hotmail.com

    Add to Google
    جميع الحقوق محفوظة لـ موقع بوابة اليمن 2003 - 2009 ©